Skip to main content

بهجة الآمال في شرح زبدة المقال — Page 272

Contributors:

P.272
ويشتغل بالتدريس بقية نهاره فلما أشعرت منه بذلك كنت أذهب معه بغير اختياره وكنت أستفيد من فضائله وأرى من حسن شمائله ما يحملني على حبّ ملازمته وعدم مفارقته وكان يصلّى العشاء ويذهب لحفظ الكرم ويصلّى الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ، ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر ، ولقد اشتمل على فضيلة جميلة ومنقبة جليلة تفرّد بها عن أبناء جنسه ، وحباه اللّه بها تزكية لنفسه وهي انّه من المعلوم البيّن انّ العلماء رحمهم اللّه لم يقدروا على أن يروّجوا أمور العلم وينظموا أحواله ويفرعوه في غالب التصنيف والترصيف حتّى يتّفق لهم من يقوم بجميع المهمّات ويكفيهم كلّما يحتاجونه من المتعلّقات ويقطع عنهم جميع العلائق ويزيل عنهم جميع الموانع والعوائق امّا من ذي سلطان يسخّره اللّه لهم ، أو من ذي مروّة وأهل خير يلقّى اللّه في قلبه قضاء مهمّاتهم لئلّا يحصل الاخلال باللطف العظيم ويتعطّل السلوك إلى المنهج القويم ، ومع ذلك كانوا في راحة من الخوف بالأمان وفي دعة من حوادث الزمان . وكان شيخنا المذكور مع ما عرفت يتعاطى جميع مهمّاته بقلبه وبدنه حتّى لو لم يكن الّا مهمّات الواردين عليه ومصالح الضيوف المتردّدين اليه مضافا إلى القيام بأحوال الأهل والعيال ونظام المعيشة وأسبابها من غير وكيل ولا مساعد يقوم بها حتّى انه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره ولا يقع على خاطره ترتيب مرتّب لقصوره عمّا في ضميره ، ومع ذلك كلّه فقد كان غالب الزمان في الخوف الموجب لاتلاف النفس والتستّر والاخفاء الذي لا يسع الانسان معه أن يفكر في مسئلة من الضروريّات البديهيّة ولا يحسن أن يعلق شيئا يقف عليه من بعده من ذوى الفطن النبيهة .