فَجَاهَدتَهُم بَعدَ الإِيعَاظِ لَهُم ، وَتَأ كِيدِ الحُجَّةِ عَلَيهِم ، فَنَكَثُوا « 1 » ذِمَامَكَ وَبَيعَتَكَ ، وَأَسخَطُوا رَبَّكَ وَجَدَّكَ ، وَبَدَءُوكَ بِالحَربِ ، فَثَبَتَّ لِلطَّعنِ وَالضَّربِ ، وَطَحَنتَ جُنُودَ الفُجَّارِ ، وَاقتَحَمتَ قَسطَلَ الغُبَارِ ، مُجَالِداً بِذِي الفَقَارِ ، كَأَنَّكَ عَلِيٌّ المُختَارُ .
فَلَمَّا رَأَوكَ ثَابِتَ الجَأشِ ، غَيرَ خَائِفٍ وَلَا خَاشٍ ، نَصَبُوا لَكَ غَوَائِلَ « 2 » مَكرِهِم ، وَقَاتَلُوكَ بِكَيدِهِم وَشَرِّهِم ، وَأَمَرَ اللَّعِينُ جُنُودَهُ فَمَنَعُوكَ المَاءَ وَوُرُودَهُ ، وَنَاجَزُوكَ القِتَالَ ، وَعَاجَلُوكَ النِّزَالَ ، وَرَشَقُوكَ بِالسِّهَامِ وَالنِّبَالِ ، وَبَسَطُوا إِلَيكَ أَكُفَّ الِاصطِلَامِ ، وَلَم يَرعَوا لَكَ ذِمَاماً ، وَلَا رَاقَبُوا فِيكَ أَثَاماً فِي قَتلِهِم أَولِيَاءَكَ وَنَهبِهِم رِحَالَكَ ، وَأَنتَ مُقَدَّمٌ فِي الهَبَوَاتِ « 3 » ، وَمُحتَمِلٌ لِلأَذِيَّاتِ ، وَقَد عَجِبَت مِن صَبرِكَ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ .
وَأَحدَقُوا بِكَ مِن كُلِّ الجِهَاتِ ، وَأَثخَنُوكَ بِالجِرَاحِ ، وَحَالُوا بَينَكَ وَبَينَ الرَّوَاحِ ، وَلَم يَبقَ لَكَ نَاصِرٌ ، وَأَنتَ مُحتَسِبٌ صَابِرٌ ، تَذُبُّ عَن نِسوَتِكَ وَأَولَادِكَ ، حَتَّى نَكَسُوكَ عَن جَوَادِكَ ، فَهَوَيتَ إِلَى الأَرضِ جَرِيحاً ، تَطَؤُوكَ الخُيُولُ بِحَوَافِرِهَا ، وَتَعلُوكَ الطُّغَاةُ بِبَوَاتِرِهَا « 4 » .
قَد رَشَحَ لِلمَوتِ جَبِينُكَ ، وَاختَلَفَت بِالِانقِبَاضِ وَالِانبِسَاطِ شِمَالُكَ وَيَمِينُكَ ، تُدِيرُ طَرفاً خَفِيّاً إِلَى رَحلِكَ وَبَيتِكَ ، وَقَد شُغِلتَ بِنَفسِكَ عَن وُلدِكَ وَأَهَلِكَ ، وَأَسرَعَ فَرَسُكَ شَارِداً ، وَإِلَى خِيَامِكَ قَاصِداً ، مُحَمحِماً بَاكِياً .
فَلَمَّا رَأَينَ النِّسَاءُ جَوَادَكَ مَخزِيّاً « 5 » ، وَنَظَرنَ سَرجَكَ عَلَيهِ مَلوِيّاً ، بَرَزنَ مِنَ الخُدُورِ
هامش
( 1 ) . النَّكث : نقض العهد ( النهاية : ج 5 ص 114 ) .
( 2 ) . الغَوَائِل : أي المهالك ( النهاية : ج 3 ص 397 ) .
( 3 ) . الهَبوة : الغَبَرة ، ويقال لدقاق التراب إذا ارتفع : هبا يهبو ( النهاية : ج 5 ص 241 ) .
( 4 ) . الباتِر : السيف القاطع ( الصحاح : ج 2 ص 584 ) .
( 5 ) . خَزِي خِزياً : ذلّ وهان ( المصباح المنير : ص 168 ) .