مِن طالِبٍ وصاحِبٍ قَتيلِ * وَالدَّهرُ لا يَقنَعُ بِالبَديلِ
وإنَّمَا الأَمرُ إلَى الجَليلِ * وكُلُّ حَيٍّ فَإِلى سَبيلِ
ما أقرَبَ الوَعدَ إلَى الرَّحيلِ * إلى جِنانٍ وإلى مَقيلِ
قالَ الرّاوي : فَسَمِعَت زَينَبُ ابنَةُ فاطِمَةَ عليها السّلام ذلِكَ فَقالَت : يا أخي ! هذا كَلامُ مَن قَد أيقَنَ بِالقَتلِ .
فَقالَ : نَعَم يا أختاه ! فَقالَت زَينَبُ عليها السّلام : واثُكلاه ، يَنعى إلَيَّ الحُسَينُ عليه السّلام نَفسَهُ ! !
قالَ : وبَكَى النِّسوَةُ ، ولَطَمنَ الخُدودَ ، وشَقَقنَ الجُيوبَ ، وجَعَلَت امُّ كُلثومٍ تُنادي :
وامُحَمّداه ! واعَلِيّاه ! واامّاه ! وافاطِمَتاه ! واحَسَناه ! واحُسَيناه ! واضَيعَتاه بَعدَكَ يا أبا عَبدِ اللَّهِ !
قالَ : فَعَزّاهَا الحُسَينُ عليه السّلام وقالَ لَها : يا أختاه تَعَزَّي بِعَزاءِ اللَّهِ ، فَإِنَّ سُكّانَ السَّماواتِ يَموتونَ ، وأهلَ الأَرضِ لا يَبقَونَ ، وجَميعَ البَرِيَّةِ يَهلِكونَ .
ثُمَّ قالَ : يا أختاه يا امَّ كُلثومٍ ! وأنتِ يا زَينَبُ ! وأنتِ يا رُقَيَّةُ ! وأنتِ يا فاطِمَةُ ! وأنتِ يا رَبابُ ! انظُرنَ إذا أنَا قُتِلتُ ، فَلا تَشقُقنَ عَلَيَّ جَيباً ، ولا تَخمُشنَ عَلَيَّ وَجهاً ، ولا تَقُلنَ عَلَيَّ هُجراً .
ورُوِيَ مِن طَريقٍ آخَرَ : أنَّ زَينَبَ عليها السّلام لَمّا سَمِعَتِ الأَبياتَ - وكانَت في مَوضِعٍ مُنفَرِدٍ عَنهُ مَعَ النِّساءِ وَالبَناتِ - خَرَجَت حاسِرَةً تَجُرُّ ثَوبَها ، حَتّى وَقَفَت عَلَيهِ ، وقالَت : واثُكلاه ! لَيتَ المَوتَ أعدَمَنِي الحَياةَ ! اليَومَ ماتَت امّي فاطِمَةُ الزَّهراءُ ، وأبي عَلِيٌّ المُرتَضى ، وأخِي الحَسَنُ الزَّكِيُّ ! يا خَليفَةَ الماضينَ وثِمالَ الباقينَ .
فَنَظَرَ الحُسَينُ عليه السّلام إلَيها وقالَ : يا أختاه لا يَذهَبَنَّ حِلمُكِ . فَقالَت : بِأَبي أنتَ وامّي أسَتُقتَلُ ؟ ! نَفسي لَكَ الفِداءُ .
فَرَدَّ غُصَّتَهُ وتَغَرغَرَت عَيناهُ بِالدُّموعِ ، ثُمَّ قالَ : هَيهاتَ هَيهاتَ ! لَو تُرِكَ القَطا لَيلًا