بِأَيّامٍ قَد عَقَدَ لَهُ عُبَيدُ اللَّهِ بنُ زِيادٍ عَقداً ووَلّاهُ الرَّيَّ ودَستَبى ، وأمَرَهُ بِحَربِ الدَّيلَمِ ، فَأَرادَ أن يَخرُجَ إلَيها ، فَلَمّا كانَ ذلِكَ اليَومُ أقبَلَ عَلَيهِ ابنُ زِيادٍ ، فَقالَ : اريدُ أن تَخرُجَ إلى قِتالِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ ، فَإِذا نَحنُ فَرَغنا مِن شُغُلِهِ سِرتَ إلى عَمَلِكَ إن شاءَ اللَّهُ .
فَقالَ لَهُ عُمَرُ : أيُّهَا الأَميرُ ! إن أرَدتَ أن تُعفِيَني مِن قِتالِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ فَافعَل !
فَقالَ : قَد أعفَيتُكَ ، فَاردُد إلَينا عَهدَنَا الَّذي كَتَبناهُ لَكَ ، وَاجلِس في مَنزِلِكَ نَبعَثُ غَيرَكَ .
فَقالَ لَهُ عُمَرُ : أمهِلنِي اليَومَ حَتّى أنظُرَ في أمري . قالَ : قَد أمهَلتُكَ . فَانصَرَفَ عُمَرُ إلى مَنزِلِهِ وجَعَلَ يَستَشيرُ بَعضَ إخوانِهِ ومَن يَثِقُ بِهِ ، فَلَم يُشِر عَلَيهِ أحَدٌ بِشَيءٍ غَيرَ أنَّهُ يَقولُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ولا تَفعَل !
قالَ : وأقبَلَ عَلَيهِ حَمزَةُ بنُ المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ ، وهُوَ ابنُ اختِهِ ، فَقالَ : أنشُدُكَ اللَّهَ - يا خالِ - أن تَسيرَ إلَى الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ ، فَإِنَّكَ تَأثَمُ بِرَبِّكَ ، وتَقطَعُ رَحِمَكَ ، وما لَكَ ولِسُلطانِ الأَرضِ ؟ اتَّقِ اللَّهَ أن تَتَقَدَّمَ يَومَ القِيامَةِ بِدَمِ الحُسَينِ ابنِ فاطِمَةَ .
قالَ : فَسَكَتَ عُمَرُ وفي قَلبِهِ مِنَ الرَّيِّ .
فَلَمّا أصبَحَ أقبَلَ حَتّى دَخَلَ عَلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ ، فَقالَ : ما عِندَكَ يا عُمَرُ ؟
فَقالَ : أيُّهَا الأَميرُ ! إنَّكَ قَد وَلَّيتَني هذَا الأَمرَ وكَتَبتَ لي هذَا العَهدَ ، وقَد سَمِعَ بِهِ النّاسُ ، وفِي الكوفَةِ أشرافٌ - وعَدَّهُم - فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللَّهِ بنُ زِيادٍ : أنَا أعلَمُ مِنكَ بِأَشرافِها ، وما اريدُ مِنكَ إلّاأن تَكشِفَ هذِهِ الغُمَّةَ ، وأنتَ الحَبيبُ القَريبُ ، وإلَّا اردُد عَلَينا عَهدَنا وَالزَم مَنزِلَكَ ، فَإِنّا لا نُكرِهُكَ .
قالَ : فَسَكَتَ عُمَرُ ، فَقالَ لَهُ ابنُ زِيادٍ : يَابنَ سَعدٍ ، وَاللَّهِ ، لَئِن لَم تَسِر إلَى الحُسَينِ وتَتَوَّلَ حَربَهُ وتَقدَم عَلَينا بِما يَسوؤُهُ ، لَأَضرِبَنَّ عُنُقَكَ ، ولَأَنهَبَنَّ أموالَكَ .
قالَ : فَإِنّي سائِرٌ إلَيهِ غَداً إن شاءَ اللَّهُ ، فَجَزاهُ ابنُ زِيادٍ خَيراً ، ووَصَلَهُ وأعطاهُ
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 23
مساهمون: محمد الريشهري
ص٢٣