يعرف ماذا يفعل تجاه هذه المسألة مدّة عشرين يوماً على ما جاء في بعض الروايات ، ومن ثمّ تنفرج الأزمة برؤيا واحدٍ أو أكثر من الصحابة ، توجب قرار النبيّ صلى الله عليه وآله وتشريع الأذان !
لا ريب في أنّ هذا الرأي لا يجتمع مع الاعتقاد بالنبوّة ، ومن هنا دعا الإمام الصادق عليه السلام القائلين بهذا الرأي إلى محاكمة عقلهم ووجدانهم ، واستنكر عليهم الجمع بين ما يرْوُون وبين الاعتقاد بنبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله ونزول الوحي ، قال عليه السلام :
يَنزِلُ الوَحيُ عَلى نَبِيِّكُم ، فَتَزعُمونَ أنَّهُ أخَذَ الأَذانَ مِن عَبدِ اللَّهِ بنِ زَيدٍ ! ! . « 1 »
2 . التّعارض مع حكمة الأذان
إنّ التأمّل في الأحاديث الكثيرة الواردة في مصادر الحديث الشيعيّة والسنيّة حول الأذان وفضائله وبركاته ، يشير بوضوح إلى أنّ فلسفة هذا العمل العباديّ العظيم لا تتعلّق بالإعلام عن أوقات الصلوات وحسب ، بل تتضمّن الكثير من الآثار الفرديّة والاجتماعيّة ، والدنيويّة والاخرويّة ، فهل يمكن أن نصدّق بأنّ كلّ هذه الحِكَم والبركات كانت بسبب رؤيا عبد اللَّه بن زيد ؟ ! أو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يعرف فلسفة الأذان وفضائله وآثاره ، لكنّه لم يطّلع عليه فصولًا وأجزاءً ؟ !
3 . تكذيب أهل البيت عليهم السلام لها
إنّ أهل البيت عليهم السلام فضلًا عن تأكيدهم على أنّ مصدر الأذان هو الوحي ، فقد صرّحوا بتكذيب الروايات والأخبار التي تجعل الرؤيا مصدراً لتشريع الأذان ، وعدّوها منافية للإيمان بالنبوّة ، وإذا لم يكن ثمّة دليل على إثبات عدم صحّة تلك الروايات ووضعها ، فإنّ نفي أهل البيت عليهم السلام لها يكفي في المقام ؛ لأنّ « أهل البيت أدرى بما في البيت » .
ثالثاً : الغرض من وضع حديث عبد اللَّه بن زيد
لا يمكن إبداء وجهة نظر قاطعة حول الغرض من وضع هذا الحديث ، غير أنّ بعض المحقّقين يرجّح احتمال وضعه من قبل عمومة عبد اللَّه بن زيد .
وإنّنا نرى أنّ وضع هذا الحديث لا يخلو من أغراضٍ سياسيّة ، حاله حال الكثير من الأحاديث الموضوعة ، مع أنّ الأذان فضلًا عن كونه تذكيراً بأحد أهمّ الواجبات الفرديّة وإعلاماً لأوقاتها ، فهو شعار سياسيّ واجتماعيّ في غاية الأهميّة ، وهذا الشعار هو ليس فقط لتوفير الأرضيّة المناسبة لاستمرار سيادة الإسلام في المجتمعات الإسلاميّة ، وإقراره القيم الدينيّة الفاضلة فيها ، بل يمكن أن يؤدّي إلى انتقال تلك القيم إلى سائر المجتمعات الأخرى . ومن هنا نلاحظ أنّ التيّارات السياسيّة التي ترى أنّ سيادة الإسلام الأصيل تتعارض مع مصالحها ، لا تتفاعل مع هذا الشعار .
ويبدو أنّ وضع حديث عبد اللَّه بن زيد من قبل الحزب الامويّ وفي عصر سلطة معاوية المطلقة ، كان لغرض حذف شعار الأذان السياسيّ
هامش
( 1 ) . ذكرى الشيعة : ص 168 .