الباب التاسع : الخير
كلام حول « الخير »
يعدّ معنى « الخير » ومثله البرّ والإحسان والحسنة - والذي يأتي في مقابل الشرّ والمنكر والإثم والإساءة والسيّئة - واضحاً وبديهياً .
معرفة الخير والشرّ فطرية
يستطيع كلّ إنسان - مهما كان انتماؤه العقيدي وإطاره الفكري والمذهبي - تحديد حُسن الخير وجماله وقبح الشرّ وسوئه على نحو فطري . بتعبير آخر :
يمكن القول بأنّ معرفة الخير والشرّ ممارسة ممزوجة بذات الإنسان وبحقيقته وبتكوينه الفطري ، فالناس خلقوا جميعاً بحيث يميلون صوب الخير ذاتاً وينفرون من الشرّ طبعاً وجبلّة . « 1 »
حاجة العقل والفطرة إلى الوحي
ثمّ نقطة على غاية قصوى من الأهمية وتستحقّ الكثير من الدقّة ، تتمثّل في أنّ العقل والفطرة غير قادرين على تشخيص موارد الخير والشرّ ومصاديقهما كافّة ؛ لأنّهما لا يحيطان بجميع المصالح والمفاسد ، بل أكثر من ذلك ، فقد يظنّ الإنسان أنّ أمراً ما هو « خير » نتيجة ألفته به ، كما قد يحسب أنّ أمراً آخر هو « شرّ » لغياب الآصرة التي تربطه به ، والحقيقة غير ذلك . لهذا يحذّر القرآن من هذه الحالة بقوله :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
. « 2 »
على هذا الأساس ، يحتاج العقل والفطرة إلى الوحي ؛ بغية تشخيصهما الخير والشرّ على نحو تام وفي جميع الموارد . فالوحي - بوصفه مبدأ يحيط بجميع المصالح والمفاسد - بمقدوره أن يعرض أكمل برنامج حياتي ينهض بتأمين السعادة الدائمة للإنسان .
الخير وزير العقل
في الحديث المشهور عن الإمام الصادق عليه السلام في تبيينجنود العقل والجهل ، عُدّ الخير أوّل جنود العقل ، في حين عُدّ الشرّ أوّل جنود الجهل ، ونصّ الحديث :
ثُمَّ جَعَلَ لِلعَقلِ خَمسَةً وسَبعينَ جُنداً . . . فَكانَ مِمّا أعطَى العَقلَ مِنَ الخَمسَةِ وَالسَّبعينَ الجُندَ : الخَيرُ ؛ وهُوَ وَزيرُ العَقلِ ، وجَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ ؛ وهُوَ وَزيرُ الجَهلِ . « 3 »
جاء العقل هنا بمعنى الوجدان الأخلاقيّ « 4 » ، ومن ثَمَّ صار الالتزام بأفعال الخير موجباً لتقويته ، واجتراح أفعال الشرّ موجباً لتضعيفه . ولمّا كان الخير
هامش
( 1 ) . جاء في معجم مقاييس اللغة : « الخاء والياء والراء أصله العطف والميل ، ثمّ يُحمَل عليه . فالخير خلاف الشرّ ؛ لأنّ كلّ أحد يميل إليه » .
كما جاء في معنى « المعروف » ما نصّه : « العين والراء والفاء أصلان صحيحان ، يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متّصلًا ببعض ، والآخر يدلّ على السكون والطمأنينة . . . والعرف : المعروف ، وسُمّي بذلك لأنَّ النفوس تسكن إليه »
( 2 ) . البقرة : 216 .
( 3 ) . الكافي : ج 1 ص 21 ح 14 .
( 4 ) . راجع : العقل والجهل في الكتاب والسنة : ( المدخل / إستخدامالعقل في ما يخصّ مبدأ الإدراكات / الوجدان الأخلاقي )