الأزل وصار ممكناً لزم الانقلاب المحال ، وإذا أمكن وجوده في الأزل ، والباري تعالى قادر كامل في تأثيره ، جواد محض لا يفيض إلّاما ينبغي ، لا لعوض ولا لغرض ، فما أوجد العالم إلّالجوده الذي هو مقتضى ذاته ، فوجب أن يوجد العالم أزلًا .
والجواب : أن يقال : ما أردت بقولك : والقادر تعالى كامل في تأثيره ؟ إن أردت أنّه لا نقص في ذاته وصفاته الكماليّة كقدرته وعلمه وإرادته ، وفي اقتضاء ذاته القديمة إفاضة الخير والجود ، فذلك مسلّم ، ولا يلزم منه وجوب إيجاد العالم أزلًا ؛ لجواز توقّف الإيجاد على شرط يقتضيه العلم بالأصلح ، وإن أردت به أنّ الفاعل في الأزل مستجمع لشرائط التأثير فهو ممنوع ، والمستند ما مرّ .
والحاصل : أنّ مقتضى كونه كاملًا جواداً في ذلك أنّه لا ينفكّ عن ذاته إفادة ما ينبغي ، الذي هو عبارة عمّا هو الأصلح بالنظام بحسب علمه القديم ، والأصلح إنّما هو وجود العالم فيما لا يزال .
وأجيب أيضاً بأنّ هذه الشبهة مبنيّة على استلزام أزليّة الإمكان لإمكان الأزليّة ، وهو ممنوع ، فإنّ معنى الأوّل استمرار إمكان الشيء وجواز وجوده ، ومعنى الثاني جواز أن يوجد الشيء وجود استمراره أزلًا وأبداً ، وظاهرٌ أنّ استلزام الأوّل للثاني ليس ممّا يطلب له دليل .
الشبهة الثالثة « 1 » : أنّه لا يجوز أن يكون فعله تعالى معدوماً ثمّ يوجَد ؛ إذ العدم الصريح لا تميّز فيه حتّى يكون إمساك الفاعل عن إيجاده في بعض أحواله أولى من إيجاده في بعض ، وحتّى يكون الصدور من الفاعل أولى في بعض الأحوال من صدوره في بعض ، بل لو كان صدوره واجباً لكان في جميع الأحوال ، أو لا صدوره كان في جميع الأحوال ، فيلزم إمّا قدم الفعل أو عدمه بالمرّة ، وهذا في الحقيقة ردّ على من قال : إنّما حدث في الوقت لأنّه كان أصلح لوجوده ، أو كان ممكناً فيه ، وتقييد العدم بالصريح احتراز من العدم الحادث المسبوق بالمادّة .
وأجيب : بأنّه لا شكّ أنّ جميع [ المعلولات ] قديمها وحديثها معدوم مطلق في
هامش
( 1 ) . نقلها المجلسي قدس سره عن صاحب المحاكمات .