المقام الثاني :
في الجواب عن الإشكال الثاني ، وقد ذكر في دفعه وجوه :
الأوّل : للبهائيّ رحمه الله في الأربعين ، قال :
إنّ لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنيَّة وإشارات سريّة وتلويحات ذوقيّة ، تعطّر مشامّ الأرواح ، وتحيي رميم الأشباح ، لا يهتدي إلى معناها ، ولا يطّلع على مغزاها إلّاالذي تعب في الرياضات ، وعنّى نفسه بالمجاهدات حتّى ذاق مشربهم ، وعرف مطلبهم ، وأمّا من لم يفهم تلك الرموز ولم يهتد إلى تلك الكنوز - لعكوفه على الحظوظ الدنيَّة وانهماكه في اللذّات البدنيّة - فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من التردّي في غياهب الإلحاد ، والوقوع في مهاوي الحلول والاتّحاد ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
ونحن نتكلّم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الأفهام ، فنقول : هذا مبالغة في القرب ، وبيان لاستيلاء سلطان المحبّة على ظاهر العبد وباطنه وسرّه وعلانيته ، فالمراد - واللَّه أعلم - أنّي إذا أحببت عبدي جذبته إلى محلّ الانس وصرفته إلى عالم القدس ، وصيّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت ، وحواسّه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت ، فتثبت حينئذٍ قدمه ، ويمتزج بالمحبّة لحمه ودمه ، إلى أن يغيب عن نفسه ، ويذهل عن حسّه ، فتتلاشى الأغيار في نظره حتّى أكون بمنزلة سمعه وبصره ، كما قال من قال :
جنوني فيك لا يخفى * وناري فيك لا تخبو
فأنت السمع والأبصا * ر والأركان والقلب
انتهى . « 1 » الثاني : للفاضل المدقّق المازندرانيّ ، قال :
إنّ الذي يخطر بالبال على سبيل الاحتمال أنّي إذا أحببته كنت كسمعه وبصره
هامش
( 1 ) . الأربعين ، ص 415 - 416 مع اختلاف يسير .