والداء العضال ، فكان السكوت عن هذه المسألة والبحث عنها أحقّ وأحرى وأسلم وأقوى ، والخوض فيها من الفضول المنهيّ عنه .
وقد ورد في الحديث : « إنّ اللَّه سكت عن أشياء ولم يسكت عنها نسياناً ولا جهلًا ، فلا تتكلّفوها » « 1 » ، ولكن لشقاوتنا لم نزل نترك ما يجب علينا علمه ونخوض فيما نهينا عنه ، والمستعان باللَّه على نفوسنا الأمّارة بالسوء .
وكيف كان ، فللناس في التخرّج عن ذلك مذاهب وطرق عديدة :
أحدها : أنّه قد تقرّر في علم الكلام أنّ الأصلح واجب على العزيز العلّام .
ويدلّ عليه قوله تعالى :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
« 2 » ، والقائل بأنّه تعالى لا يجب عليه شيء إنّما هو هرب عن لفظ الإيجاب هيبة من سطوة ربّ الأرباب ، وكان الأولى بالأدب والأحسن بالمهرب أن يقول : إنّه تعالى أوجب على نفسه ذلك ، فيتحرّى أحسن المسالك .
والقول الفصل ، والكلام الجزل في هذا المقام ، وتحقيق هذا المرام : أنّ باني هذه الدار ، الملك الحكيم القادر الجبّار ، لم يخلق لداره ما هو شرّ مطلقاً ؛ لأنّه مخالف لحكمته ، ومناف لعدله ورحمته ، والإنسان مع كونه جاهلًا عاجزاً يبني لنفسه داراً ويرفع جداراً ، ويعيّن خلوة لخاصّته ، ورواقاً لأهل صحبته وغرفة لندمائه ، وحجرة لزوجته ، وأخرى لإمائه ، ومخزناً لجواهره الغالية الشريفة ، وملابسه الثمينة النظيفة ، وبيتاً للروائح العطرة والأشربة الطيّبة المطهّرة ، ومحرزاً للأدوية المرّة ، وموضعاً للكنيف ، ومخبزاً للرغيف ، ومطبخاً للطبخ ، ومسلخاً للسلخ ، ومبرزاً للفضلات ، وبالوعة لصبّ الغسالات ، ومطرحاً لإلقاء القمامات ، ومستحمّاً للغسل ، واصطبلًا للدوابّ ، ومكاناً لغسل الأواني والثياب .
ويعيّن بعض غلمانه لملازمته ومرافقته ومجالسته ومنادمته ، وبعضاً لصيانة أمتعته المرغوبة ، وآخر لأطعمته وأشربته وحوائجه المطلوبة ، وبعضاً للطحن والخبز
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 15 ، ص 260 ، ح 20452 مع اختلاف في العبارة .
( 2 ) . الأنعام ( 3 ) : 54 .