ثمّ اعلم أنّ من ليس عالماً بالألفاظ ومعانيها ومساقها والمراد منها ، لا يجوز له الرواية بالمعنى إجماعاً من المسلمين ، بل يتعيّن عليه رواية اللفظ الذي سمعه . وقيل : لا يجوز النقل بالمعنى وإن كان عالماً بذلك ، وجوّزه بعضهم في غير حديث النبي صلى الله عليه وآله . والحقّ جوازه للعالم الخبير ، وقد تضافر النقل به عن المعصومين عليهم السلام ، وتفصيل القول فيه يُطلَب من كتب أُصول الفقه . « 1 » من هنا فنحن أمام ظاهرتين حديثيتين هما : النقل بالمعنى والتصحيف ، فما هو الفرق بينهما ؟
للإجابة على هذا السؤال لابدّ من بيان المراد من « النقل بالمعنى » ، ليتسنّى لنا بيان الفرق بينه وبين التصحيف ، فنقول : النقل بالمعنى هو أن يُنقل مضمون الحديث دون التحفظ على ألفاظه الصادرة عن المعصوم عليه السلام ، على أن يتمّ الحفاظ على المعنى .
وأمّا التصحيف فهو كما مرّ بيانه : الخطأ في الصحيفة ، وهذا يعني أنّ التصحيف خطأ في رواية الحديث ، بخلاف نقله بالمعنى ، وبهذا يمكن بيان الفرق بين التصحيف والنقل بالمعنى بما يلي :
التصحيف خطأالراوي أو الناسخ في رواية الحديث ، بخلاف النقل بالمعنى ، فإنّ الراوي ليس في مقام نقل الحديث بحدوده اللفظية كي يخطأ في نقلها ، وإنّما هو في مقام نقل معناه ؛ سواء كان بألفاظه التي سمعها من الإمام ، أم بغيرها ، فهو ملتفت لما يقوله وليس خاطئاً كالمصحّف .
إن قلت : هذا الفرق لا يغنينا شيئاً ؛ إذ المهمّ هو تمييز أحدهما عن الآخر ، فلابدّ من بيان ما يمكن من خلاله تمييز كلّ منهما عن الآخر في الأحاديث التي بأيدينا .
قلت : النقل بالمعنى إنّما يكون قبل كتابة الحديث عادة ؛ وذلك أنّ لفظ الحديث لم يضبط بعد ، فيكون الحفاظ على حدوده اللفظية عسيراً « 2 » ، وأمّا بعد تدوين الحديث
هامش
( 1 ) . نهاية الدراية : ص 488 .
( 2 ) . من هنا تبرز أهمّية ضبط الراوي ودقّته في النقل ، ولهذا نجد علماء الرجال يميّزون بين الرواة ، فيصفون أحدهمبالضبط وشدّة التحفّظ ، ويصفون الآخر بالوثاقة فقط .