سورة البقرة 3 :
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
بل المراد به هو الغيب في مثل قوله تعالى في سورة الأنعام 59 :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
الآية .
لا أقول : أن للغيب معان مختلفة ، فإنه من الواضح الّذي لا يرتاب فيه عدم كون لفظ الغيب مشتركا بين معان متعدّدة ، فإنه في مقابل الشهود الّذي لا يكون له معنى واحد ، غاية الأمر اختلاف موارد الاستعمال باختلاف الاغراض والمقاصد بحسب المصاديق والافراد ، كما لا يخفى .
الأمر الثاني : أن دلالة الاخبار بالغيب على الاعجاز تظهر مما ذكرناه في معنى الغيب ، فإنه بعد ما لم يكن للانسان سبيل إلى الاطلاع على المغيبات من قبل نفسه ، لعدم الملائمة بينه بقواه الظاهرة والباطنة وبين الاطلاع عليها بدون الاستعانة والاستمداد ، فإذا فرضنا إنسانا اتى بكتاب مشتمل على الاخبار بالغيب ، وعلمنا عدم اطلاعه عليها من قبل نفسه ، والجماعة الّتي هو فيهم ومعهم : نعلم جزما بانحصار طريق الوصول إليه في مبدأ الوحي ، ومخزن الغيب ، ومن عنده مفاتيحه ولا يعلمها الا هو ، وبه يتحقق التحدّى الموجب للاعجاز . إذا عرفت ما ذكرنا من الامرين ، فنقول :
من القسم الاوّل : من الآيات ، قوله تعالى في سورة آل عمران في قصّة مريم 44 :
« ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ »
وقوله تعالى في سورة هود 49 :
« تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا »
وقوله تعالى في سورة يوسف بعد ذكر قصّته 102 :
« ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ »
.
ومن القسم الثاني : آيات كثيرة متعدّدة واقعة في موارد مختلفة :
منها ، قوله تعالى في سورة الحجر 94 - 96 :
« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »