ليس في الكتاب العزيز ما يدل بظاهره على توصيفه بالاعجاز الاصطلاحي بهذه اللفظة ، بل وقع فيه التحدّى به ، الّذي هو الركن الأعظم للمعجزة ، وتتقوّم به حقيقتها ، والآيات الدالة على التحدي بمجموع القرآن أو ببعضه لا تتجاوز عن عدّة :
اوّلها : الآية الكريمة الواردة في سورة الإسراء :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88 »
.
والظاهر : من الكريمة الإخبار عن عدم الاتيان بمثل القرآن ، لأجل عدم تعلّق قدرتهم به ، وأن القرآن يشتمل على خصوصيات ومزايا من جهة اللفظ والمعنى لا يكاد يقدر عليها الانس والجن ، وان اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا ، فاتصاف القرآن بأنه معجز إنّما هو من جهة الخصوصية الموجودة في نفسه ، البالغ بتلك الخصوصية حدّا يعجز البشر عن الاتيان بمثله .
وعليه : فما ذهب إليه من وصف بأنه شيطان المتكلمين من القول بالصّرف في اعجاز القرآن ، وان اللّه صرف الناس عن الاتيان بمثله مع ثبوت وصف القدرة لهم ، وتوفّر دواعيهم عليه : مناف لما هو ظاهر الآية الشريفة ، المعتضد بما هو المرتكز في أذهان المتشرعة من بلوغ القرآن علوّا وارتفاعا إلى حدّ لا تصل إليه أيدي النّاس ، ولا محيص لهم الّا الاعتراف بالعجز والقصور والخضوع لديه :
فهذا القول باطل من أصله ، وان استصوبه الفخر الرازي في تفسيره ، واختاره