نفسا وبدنا ، ففي تلك النشأة يتلى الكتابان دفعة واحدة [ 25 ] ، وينظر آياتهما نظرة واحدة ، لا على الولاء ، ولكن من كان ذا نفس مجردة [ 26 ] في هذه النشأة يستشعر هناك بما أعطي ، ويدرك بالعلم التركيبي [ 27 ] ما يدرك ،
« وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى »
[ 28 ] ، « فاعرف نفسك ، تعرف ربّك » [ 29 ] و [ 30 ]
هامش
صالحا فإنه إن صلح أنست به وإن فسد لا تستوحش إلا منه وهو فعلك .
وحيث إن الإنسان ليس إلّا علمه وعمله فحقيقة أفعاله وأقواله ونيّاته مطلقا ما طارت منه وإن كان ظاهرها قد طار منه ، ولكن الظاهر كما دريت متصرم مع الزمان وباطنها قد صارت عين نفسه فتدبّر حقّ التدبّر كلام اللّه سبحانه :وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ، اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً( الإسراء - 15 ) . وإنما قال يمكن أن يكون هذا المعنى - أعني ذكر الكتاب الأنفسي وصحيفة الأعمال - بالعرض لأنّ الغرض منه هذه الفريدة أوّلا كما دريت هو في دفع شبهات تورد على المعاد الجسماني فتدبّر . ( ح . ح )
[ 25 ] كما في الآثار : « إن عليّا ( ع ) كان إذا ركب يتلو جميع القرآن يشرع إذا وضع إحدى رجليه في ركاب ويختم إذا وصل الأخرى إلى آخر » .
[ 26 ] لعلّ أثرنا القيّم الموسوم ب « انسان در عرف عرفان » يجديك في ذلك المرصد الأسني . ( ح . ح )
[ 27 ] هو على قياس الجهل التركيبي العلم بالشيء والعلم بالعلم والعلم بأن المعلوم ما ذا بخلاف من كان أعمى بنفسه وبّريه ، فيحصل له إدراك بسيط بصور أعماله كالبرق الخاطف من غير أن يكون مقاما له ، فإن مقامه التجرّد البرزخي لا التجرد الحقيقي .
لكن في المقام إشكال : وهو أنه لا بدّ أن يكون إدراك كل واحد وفعله هناك دفعة واحدة بلا تجدد وتعاقب ، إذ القوة والاستعداد مفقودان هناك ، والهيولى من خاصية هذه النشأة الطبعية . « والدنيا إنما هي مزرعة الآخرة واليوم الآخر يوم الحصاد » ، فجميع ما هي من لوازم أعمالهم وملكاتهم ، لابدّ أن يتمثل لهم دفعة واحدة ، مع أنه لا يساعده الكتاب والسنة ، لورودهما بتجدّد الأحوال والأفعال هناك للفريقين .
وحلّ الإشكال : قد مرّ في « حواشي الأمور العامة » عند البحث عن الوجود الذهني ، فارجع فإن الإشكال يندفع إنشاء اللّه تعالى .
[ 28 ] سورة الإسراء ، آية 72 .
[ 29 ] تحف العقول ابن شعبة حراني ، ص 241 ، كلام الصادق ( ع ) في وصف التوحيد والإيمان ، ط بيروت ، مؤسسة أعلمي . ( م . ط )
[ 30 ] قال الراغب في رسالته « تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين » : « قد روي أنه ما أنزل اللّه من كتاب إلّا وفيه : اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك » ( ط صيدا - ص 11 ) . وراجع كتابنا سرح العيون في شرح العيون ( ط 1 - ص 48 ) . ( ح . ح )