كلّ القوى في مقامين : مقام الكثرة في الوحدة [ 4 ] ، ومقام الوحدة في الكثرة . وبعبارة أخرى مقام شهود المفصّل في المجمل ، ومقام شهود المجمل في المفصّل . وفعلها ، أي فعل القوى في فعله ، أي فعل النّفس قد انطوى ، فالنّفس بالحقيقة ، هي المتوهّمة المتخيّلة [ 5 ] الحساسة المحركة المتحركة ، وهي الأصل المحفوظ في القوى ، لا قوام لها إلّا بها . وقد استدللنا عليه بوجهين :
أحدهما : من ناحية المدرك ، وهو أنّا نحكم بكل واحد من المحسوسات ، والمتخيّلات ، والموهومات ، والمعقولات على الآخر مثلا ، نقول : « الذي له لون كذا له طعم كذا ، أو رائحة كذا ، أو هذه الصورة الخياليّة لهذه الصورة الحسية ، أو هما صاحبتا هذه الموهومة ، أو المعقولة » . والقاضي بين الشيئين لا بدّ ، وأن يحضره المقضي عليهما ، والمصدق لا بدّ له من تصوّر الطرفين . وكذا نتصرّف في الصور الخياليّة . والمعاني بالتركيب والتفصيل ، ونضمّ بعضها إلى بعض إيجابا ، ونفرّق بعضها عن بعض سلبا ، والمتصرّف لا بدّ ، وأن يحضره المتصرف فيه ، فإذن فينا قوة واحدة مدركة للكلّيات
هامش
[ 4 ] فالنفس هي الكل في وحدتها وجميع قواها من العاقلة إلى اللّامسة من شؤونها ، لا أن قوى النفس من معلولاتها« ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً »( ح . ح )
[ 5 ] والحق أن كون وجود النفس ذا مراتب وأنها الأصل المحفوظ فيها ، وأن كل فعل لأيّة قوة تنسب في الحقيقة فعلها بلا مجاز وجداني وهذا مقتضى ذوق أرباب العرفان . قال الشيخ العربي في « فتوحاته » :
« النفس الناطقة هي العاقلة والمفكرة والمتخيلة والحافظة والمصورة والمغذية والمنمية والجاذبة والدافعة والهاضمة والماسكة والسامعة والباصرة والطاعمة والمستنشقة واللامسة والمدركة لهذه الأمور ، فاختلاف هذه القوى واختلاف الأسماء ليست بشيء زائد عليها ، بل هي عين كل صورة » هذا كلامه .
وقال الشيخ فريد الدين :قدسيان يكسر سجودت كردهاند * جزء وكل غرق وجودت كردهاند
جسم تو جزو است وجانت كلّ كلّ * خويش را قاصر مبين از عين ذل
تن ز جان نبود جدا . . . .إلى آخره .
فأنوار المراتب المسماة بالقوى كلها فانية في نور النفس الناطقة ، والتنزيه الذي يراعيه الحكماء إنما هو لئلا يقف الأذهان في مراتب جسمها وجسمانيتها كأذهان الطباعية والعوام وهو يرجع إلى تنزيه مرتبة منها هي أعلى مراتبها وهي المسماة بذاتها ، والبواقي وجهها وإشراقاتها المتفاضلة .