تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
بنقصه وإبطاله ، [ لنكتة كقوله : ( 1 ) قف بالدّيار الّتي لم يعفها القدم ] ، أي لم يبلها تطاول الزّمان وتقادم العهد ، ثمّ عاد إلى ذلك الكلام ونقضه بقوله : [ بلى وغيرها الأرواح والدّيم ] أي الرّياح والإمطار ، والنّكتة إظهار التّحيّر والتّولّه ، كأنّه أخبر أوّلا بما لا تحقّق له ، ثمّ أفاق بعض الإفاقة فنقض الكلام السّابق قائلا : بل عفاها القدم وغيرها الأرواح والدّيم . [ ومنه ] أي ومن المعنوي [ التّورية ، وتسمّى الإيهام أيضا ، وهي أن يطلق لفظ له - معنيان ( 2 )
شرح
آخر فيبطله ، ويشترط في كون الرّجوع إلى نقص الكلام من البديع أن يكون ذلك النّقص « لنكتة » كأن يفهم من السّياق أنّ المتكلّم لم يعد لإبطال الكلام السّابق بمجرّد كونه غلطا وإنّما ذلك لإظهار التّحسر والحزن ، وكون العود دالّا على التّحسّر والتّحزّن حتّى يجعل لإفادته ، وتكون تلك الإفادة هي النّكتة . فتحقّق بما تقرّر أنّ الإنسان إذا كان غارقا في الحبّ بحيث يكون غالبا على عقله ، ربّما يظنّ الشّيء واقعا وهو ليس بواقع ، ثمّ إنّه قد يستفيق بعد الإخبار بغير الواقع ، فيعود إلى إبطاله بالإخبار بالحقيقة ، فيظهر من ذلك أنّه عائد إلى الصّدق كرها ، وفي ضمن ذلك أنّه متأسّف على ما فات منه ، فيفهم منه أنّه أراد أن يظهر التّحسّر والتّحزّن على فوات ما أخبر به أوّلا . ( 1 ) قول زهير حيث بدأ الكلام السّابق على أنّ تطاول الزّمان وتقادم العهد لم يعف الدّيار ، ثمّ عاد إلى الكلام السّابق ، ونقصه وأبطله بأنّه قد غيّرها الرّياح والأمطار ، والنّكتة في هذا العود هو إظهار الكآبة والحزن والحيرة ، فكأنّه أخبر بغير الواقع حقيقة ، ثمّ رجع إلى عقله وأفاق فتدارك غلطه في هذا الإخبار ، فنقض وأبطل كلامه السّابق قائلا : « بل عفاها القدم وغيرها الأرواح والدّيم » ، والأرواح جمع الرّيح ، والدّيم جمع الدّيمة ، بمعنى المطر الكثير الدّائم ، والتّولّه بمعنى ذهاب العقل .

[ التّورية ، وهي على قسمين ]

( 2 ) أو أكثر سواء كانا حقيقيّين أو مجازيّين أو أحدهما حقيقيّا وإلّاخر مجازيا ، لا يعتبر بينهما لزوم وانتقال من أحدهما إلى الآخر ، وبهذا تمتاز التّوريّة عن المجاز والكناية .