تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
كما في قوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 1 » ( 1 ) [ وأدخل الأعناق في السّير ( 2 ) ] لأنّ السّرعة ( 3 ) والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في الأعناق
شرح
( 1 ) حيث نسب الاشتعال إلى الرّأس لا إلى الشّيب الّذي فيه إشعارا بأنّ الشّيب قد ملأ الرّأس ، فترى الرّأس كلّه بياضا ، ولا يقال : اشتعل الرّأس شيبا إلّا إذا انتشر شيب الرّأس ، وظهر ظهورا تامّا ، ففيه إسناد الاشتعال الّذي هو وصف للشّعر الحالّ في الرّأس إلى محلّه وهو الرّأس ، لإفادة استغراق الحالّ وشيوعه ، حتّى صار كأنّه المحلّ . وكان الكلام من قبيل الاستعارة بالكناية أو التّخييليّة ، حيث شبّه المشيب شواظ النّار تشبيها مضمرا في النّفس ، وجعل إثبات الاشتعال للمشيب قرينة للتّشبيه المضمر ، وإثبات الاشتعال استعارة تخييليّة . ( 2 ) أي أراد بإدخالها في السّير جرّها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها ، وإنها سائرة ، لأنّ مرجع الملابسة إلى الإسناد مجاز عقليّ ، وحينئذ فيكون السّيل مسندا للأعناق تقديرا ، وذلك الإسناد مجاز عقليّ . وحينئذ ففي الكلام مجازان عقليّان : لفظيّ وهو إسناد السّيل إلى الأباطح ، وتقديريّ وهو إسناده إلى الأعناق . فالبيت مشتمل على ثلاثة مجازات : أحدها مجاز بالاستعارة ، والآخران مجازان عقليّان ، فلمّا أضاف إلى الاستعارة هذين مجازين صارت الاستعارة غريبة . ( 3 ) أي قوله : « لأنّ السّرعة والبطء . . . » علّة لمحذوف ، أي وإنّما أدخل الأعناق في السّير ، وأسنده لها تقديرا ، لأنّ سرعة السّير وبطأه يظهران غالبا فيها ، لأنّ الإبل إذا سرحت أعناقها ولم تتجاوز جهة الأمام في النّظر ، فهي قد جدّت في سيرها ، وإذا كانت ميّلتها إلى اليمين واليسار ، فقد تباطأت في سيرها ، ولم تعزم عليه . وكيف كان فأعناقها هي سبب في فهم سرعة السّير وبطئه ، فصارت كأنّها سبب لوجود السّير ، وحينئذ فإسناد السّير تقديرا إلى الأعناق من باب إسناد الشّيء إلى ما - هو كالسّبب فيه . والحاصل : إنّ الشّاعر استعار سيل الماء لسير الإبل في المحلّ الّذي فيه دقيق الحصى
هامش
( 1 ) سورة مريم : 4 .