دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 54
الالتفات هو التّعبير عن معنى بطريق من ] الطّرق [ الثّلاثة ] التّكلّم والخطاب والغيبة [ بعد التّعبير عنه ] أي عن ذلك المعنى ( 1 ) [ بآخر منها ] أي بطريق آخر من الطّرق الثّلاثة بشرط أن يكون التّعبير الثّاني على خلاف ما يقتضيه الظّاهر ( 2 ) ويترقّبه ( 3 ) السّامع ، ولا بدّ من هذا القيد ( 4 ) ليخرج مثل قولنا : أنا زيد ، وأنت عمرو ( 5 ) ، [ الالتفات ] مذهب الزّمخشري والسّكّاكي ومن تبعهما ، وعلى الأوّل لا يخلو إمّا أن يشترط أن يكون التّعبيران في كلام واحد أو لا ، الأوّل مذهب بعض النّاس ، وعلى الثّاني لا يخلو إمّا أن يشترط كون المخاطب في التّعبيرين واحدا أو لا ، الأوّل مذهب صدر الأفاضل ، والثّاني مذهب الجمهور . ( 1 ) هذا التّفسير صريح في أنّه لا بدّ من اتّحاد معنى الطّريقين ، والمراد الاتّحاد في المصداق ، فيدخل فيه نحو : أنا زيد ، ويحتاج إلى إخراجه بالقيد الّذي ذكره الشّارح ، وهو قوله : « بشرط أن يكون التّعبير الثّاني على خلاف ما يقتضيه الظّاهر » . ( 2 ) أي ظاهر الحال . ( 3 ) عطف على قوله : « يقتضيه » ، فمعنى العبارة حينئذ ، بشرط أن يكون التّعبير الثّاني على خلاف ما يقتضيه ظاهر الحال ، وعلى خلاف ما ينتظره السّامع ، إذ ما يترقّبه السّامع هو الطّريق الأوّل لا الثّاني . ( 4 ) أي من شرط أن يكون التّعبير الثّاني على خلاف ما يقتضيه الظّاهر ، وإنّما تركه المصنّف لفهمه من المقام ، لأنّ كلامه إنّما هو في إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظّاهر . ( 5 ) وجه خروج أنا زيد ، وأنت عمرو ، عن الالتفات أنّه وإن كان يصدق على كلّ واحد منهما أنّه قد عبّر فيه عن معنى وهو الذّات بطريق الغيبة ، بعد التّعبير عنه بطريق آخر ، وهو التّكلّم في المثال الأوّل ، والخطاب في المثال الثّاني ، إلّا أنّ التّعبير الثّاني ممّا يقضيه ظاهر الكلام والحال ، ويترقّبه السّامع ، لأنّ المتكلّم إذا قال : أنا وأنت يترقّب أن يأت بعده باسم ظاهر خبرا عنه ، لأنّ الإخبار عن الضّمير إنّما يكون بالاسم الظّاهر ، فالإخبار به وإن كان من قبيل الغيبة عن ضمير المتكلّم أو المخاطب إلّا أنّه جار على ظاهر ما يستعمل في الكلام . والحاصل إنّ التّعبير الثّاني في المثالين ليس على خلاف مقتضى الظّاهر ، ولا على خلاف ما يترقّبه السّامع فقد خرجا بالقيد المذكور في كلام الشّارح .