تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الحكيم ( 1 ) ، فقوله ( 2 ) : هذا إشارة إلى حكم سابق غير محسوس ، وهو كون العاقل محروما ، والجاهل مرزوقا ، فكان القياس فيه ( 3 ) الإضمار ، فعدل إلى اسم الإشارة لكمال العناية بتمييزه ( 4 ) ليرى السّامعين أنّ هذا الشّيء المتميّز المتعيّن هو الّذي له الحكم العجيب ، وهو جعل الأوهام حائرة ، والعالم النّحرير زنديقا . فالحكم البديع ( 5 ) هو الّذي
شرح
كالجنون ، فالعاقل ينبغي له أن يتحلّى بالعلم ويحترز عن الجهل ويتخلّى ، لئلّا يتعطّل عقله ، وكون الجاهل كالمجنون لتباعده عن اكتساب الكمالات . ( 1 ) قائلا بأنّه لو كان له وجود لما كان الأمر كذلك غافلا عن أنّ ما هو الموجود من النّظام التّكويني مطابق للعدل والحكمة ، وأنّ اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو على كلّ شيء قدير . ( 2 ) أي قول الرّاوندي « هذا » أي لفظ هذا « إشارة إلى حكم سابق وهو » أي الحكم السّابق « كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا » . ( 3 ) أي في البيت السّابق هو « الإضمار » بأن يقول : هو الّذي ترك الأوهام حائرة ، وإنّما كان القياس الإضمار لتقدّم ذكر ما يصلح أن يكون مرجعا للضّمير مع كونه غير محسوس ، والإشارة حقيقة في المحسوس . ( 4 ) أي تمييز المسند إليه باسم الإشارة ليعلم المتكلّم « السّامعين أنّ هذا الشّيء المتميّز المتعيّن هو الّذي له الحكم العجيب وهو جعل الأوهام حائرة . . . » . ( 5 ) جواب عن سؤال مقدّر : وهو أنّ الاختصاص يقتضي المغايرة بين المسند إليه وما اختصّ به من الحكم البديع ، ولا مغايرة بينهما في المقام ، لأنّ المسند إليه المشار إليه بهذا هو كون العاقل محروما ، والجاهل مرزوقا ، وهو بنفسه الحكم البديع ، ومعنى كونه حكما بديعا أنّه ضدّ ما كان ينبغي إذ ينبغي أن يكون العاقل مرزوقا ، والجاهل محروما ، فيلزم ما ذكرنا من عدم المغايرة بين المسند إليه والحكم البديع . وحاصل الجواب : إنّ الحكم البديع عبارة عن ترك الأوهام حائرة وتصيير العالم النّحرير زنديقا ، وهو غير المسند إليه أعني كون العاقل محروما ، والجاهل مرزوقا ، فيصحّ أن يكون الأوّل مختصّا بالثّاني لانتفاء العينيّة ، وتحقّق المغايرة . وبعبارة واضحة : إنّ المسند إليه المعبّر عنه باسم الإشارة هو كون العاقل محروما والجاهل