مقتضى الظّاهر [ وقد ينزّل المجهول ( 1 ) منزلة المعلوم ( 2 ) لادّعاء ( 3 ) ظهوره ، فيستعمل ( 4 ) له الثّالث ] أي إنّما [ نحو ] قوله تعالى حكاية عن اليهود :
إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
« 1 » ( 5 ) ادّعوا أنّ كونهم مصلحين أمر ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطب ولا ينكره ،
شرح
في هذا المثال الّذي نزّل فيه المعلوم منزلة المجهول بالطّريق الثّالث لا بالطّريق الثّاني . وإنّما قال الشّارح والأولى ، ولم يقل : والصّواب كي يكون إشارة إلى إمكان الجواب عنه بأنّه يجوز أن يكون هذا المثال على مقتضى الظّاهر من غير تنزيل ، لأنّ المقصود منه ترقيق المخاطب ، لا إفادة الحكم ، فكونه معلوما له لا يضرّ ، والقصر للمبالغة في التّرقيق ، لأنّه يفيد تأكيدا على تأكيد .
[ قد ينزّل المجهول منزلة المعلوم لادّعاء ظهوره ]
( 1 ) أي المجهول عند المخاطب . ( 2 ) أي منزلة الحكم الّذي من شأنه أن يكون معلوما عند المخاطب بحيث لا يصرّ على إنكاره ، فلا ينافي أنّه مجهول له بالفعل ، وليس المراد منزلة المعلوم له بالفعل ، لأنّ المعلوم بالفعل ليس محلّا للقصر . ( 3 ) علّة للتّنزيل ، أي ينزّل المجهول منزلة المعلوم لادّعاء المتكلّم ظهوره ، وأنّ إنكاره ممّا لا ينبغي . ( 4 ) أي فبسبب ذلك التّنزيل يستعمل فيه الطّريق الثّالث من طرق القصر وهو إنّما . ( 5 ) قال اللّه سبحانه :وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَنزّلت الآية في حقّ المنافقين من اليهود لعنة اللّه عليهم ، والمراد أنّه إذا قيل للمنافقينلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِبالمعاصي ، وصدّ النّاس عن الإيمانقالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَفردّهم اللّه بقوله :أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَأي يدّعون الإصلاح ، وهم المفسدون وكاذبون في دعوى أنّهم مصلحون ، ولكن لا يعرفون أنّهم على ضلال وفساد . والشّاهد : فيإِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَحيث استعملوا إنّما في إثباتهم الصّلاح لأنفسهم ، وهي إنّما تستعمل في الحكم الّذي من شأنه أن لا ينكر ، ولا يجهل لادّعائهم ظهور صلاحهم ، ففي استعممالهم إنّما في إثبات الصّلاح لادّعائهم ظهوره إشعار بأنّ نقيضه وهو فسادهم ظاهر الانتفاء حتّى لا يحتاج في نفيه إلى التّأكيد بالنّفي والاستثناء ، فقد أنكروا الفساد الّذي اتّصفوا به مبالغين في إنكاره حيث زعموا أنّ نفيه من شأنه أن يلحق بالظّواهر والضّروريات الّتي لا تنكر .هامش
( 1 ) سورة البقرة : 11 .