دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 330
فطالبهما ( 1 ) بالسّبب في اختيار كونها موصولة ، مع أنّ الزّجّاج اختار أنّها ( 2 ) كافّة [ ولقول النّحاة ( 3 ) إنّما لإثبات ما يذكر بعده ونفي ما سواه ] أي سوى ما يذكر بعده ، أمّا في قصر الموصوف نحو : إنّما زيد قائم ، فهو لإثبات قيام زيد ، ونفي ما سواه من القعود ونحوه ( 4 ) وأمّا في قصر الصّفة نحو إنّما يقوم زيد فهو لإثبات قيامه ( 5 ) ونفي ما سواه من قيام عمرو وبكر وغيرهما ، [ ولصحّة ( 6 ) انفصال الضّمير معه ] أي مع إنّما نحو : إنّما يقوم أنا ، ( 1 ) أي طلب من السّكّاكي والمصنّف ما هو السّبب والعلّة في اختيارهما كون ما موصولة . [ قول النّحاة في إنّما ] ( 2 ) أي ما كافّة نظرا إلى كونها في القرآن مرسومة متّصلة ، والموصولة ترسم منفصلة . ( 3 ) أي هذا الوجه الثّاني لإفادة إنّما القصر ، وتضمّنها معنى ما وإلّا . وحاصل هذا القول : إنّ النّحاة الّذين أخذوا النّحو من كلام العرب يقولون بكون إنّما للحصر ، أي إثبات ما يذكر بعده ، ونفي ما سواه ، فدلالتها على ذلك دليل على تضمّنها معنى ما وإلّا ، فمعنى ما هو النّفي ، ومعنى إلّا هو الإثبات . وبعبارة أخرى : إنّ دلالة إنّما على الحصر دليل على تضمّنها ما الّتي هي للنّفي ، وعلى معنى إلّا الّتي هي للإثبات ، والحاصل : إنّه لمّا كان مفاد إنّما ومفاد ما وإلّا واحدا دالّ على أنّها بمعناهما ، فاندفع ما يقال : إنّ قول النّحاة إنّما يدلّ على وجود معنى القصر في إنّما لا على خصوص تضمّنها معنى ما وإلّا ، فالدّليل لا ينتج المدّعى . ( 4 ) أي كالاضطجاع . ( 5 ) أي قيام زيد ، ونفي سواه من قيام عمرو وبكر وغيرهما ، أي غير عمرو وبكر . ( 6 ) إشارة إلى الوجه الثّالث من الوجوه الثّلاثة ، أي إنّما يفيد القصر لصحّة انفصال الضّمير معه ، قال بعضهم : إذا أريد حصر الفعل في الفاعل المضمر ، فإنّ ذكره بعد الفعل شيء من متعلّقاته وجب الفاعل وتأخيره ، كما في قولك : إنّما ضرب زيدا أنا ، وكما في بيت الفرزدق الآتي ، فإنّه إذا لم يفصل ، ولم يؤخّر لتبادر إلى الفهم أنّ المقصود الحصر على ذلك المتعلّق ، وإن لم يذكر ، يجوز الانفصال نظرا إلى المعنى ، والاتّصال نظرا إلى اللّفظ ، إذ لا فاصل لفظيّا ، فظهر بما ذكرنا أنّ المراد بالصّحّة في كلام المصنّف عدم الامتناع الشّامل للوجوب والجواز . لا يقال : إنّ هذا الدّليل فيه دور ، وذلك لأنّ صحّة الانفصال متوقّفة على التّضمّن كما قال الشّارح : ولا يعرف التّضمّن إلّا بصحّة الانفصال للاستدلال بها عليه .