دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 303
[ والأوّل ] أي قصر الموصوف على الصّفة [ من الحقيقيّ ( 1 ) نحو : ما زيد إلّا كاتب إذا أريد أنّه لا يتّصف بغيرها ( 2 ) ] أي غير الكتابة من الصّفات [ وهو ( 3 ) لا يكاد يوجد لتعذّر الإحاطة بصفات الشّيء ] حتّى ( 4 ) يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلّيّة ، بل ( 5 ) [ قصر الموصوف على الصّفة من الحقيقيّ ] ( 1 ) قوله : « من الحقيقيّ » حال من الأوّل ، أي النّوع الأوّل حال كونه من الحقيقيّ ، فإنّ الصّحيح هو صحّة وقوع الحال من المبتدأ والخبر ، ولا وجه لاشتراط كون صاحب الحال فاعلا أو مفعولا . ( 2 ) هذا قيد في المثال ، أي هذا المثال إنّما يكون من الحقيقيّ إذا أريد أنّ زيدا لا يتّصف بغيرها ، أي بكلّ مغاير لها من الصّفات ، وأمّا إذا أريد أنّه يتّصف بالكتابة لا بمقابلها فقطّ ، كالشّعر مثلا ، كان القصر في المثال من القصر الإضافيّ . ( 3 ) أي قصر الموصوف على الصّفة « لا يكاد » معناه « يوجد » حقيقة من البليغ المتحرّي للصّدق ، وغير قاصد للمبالغة ، وإنّما قلنا ذلك لأنّه كثيرا ما يقع في كلامهم عند قصد المبالغة أو عند عدم التّحرّي للصّدق ، وعدم المبالاة بالكذب . ثمّ إنّ لفظ « لا يكاد » يعبّر عنه تارة عن قلّة وجود الشّيء ، فيقال : لا يكاد يوجد بمعنى أنّه لا يوجد إلّا نادرا تنزيلا للنّادر منزلة الّذي لا يقارب الوجود مبالغة . وتارة يعبّر به عن نفي الوقوع والبعد عنه ، أي لا يقرب ذلك الشّيء إلى الوجود أصلا ، وهذا الثّاني هو المناسب لقوله : « لتعذّر الإحاطة » بصفات الشّيء عادة ، لأنّه إذا تعذّر للمخلوق الإحاطة بصفات الشّيء لا يصحّ أن يأتي به قاصدا لمعناه الحقيقيّ ، وذلك لعدم تمكّنه حينئذ من الاحتراز عن الكذب . إذ ما من موجود إلّا ويكون له صفات يتعذّر الإحاطة بها ، وهذا القصر متضمّن لنفي جميع ما عدا الوصف عن هذا الموصوف الموقوف على الإحاطة المتعذّرة ، لأنّ العاقل لا يحيط بأوصاف نفسه لا سيّما الباطنيّة والاعتباريّة ، فكيف بأوصاف غيره ! ( 4 ) لفظة « حتّى » ليست للغاية بل تعليليّة ، والمعنى ليست الإحاطة بجميع صفات الشّيء ممكنة ليثبت له شيء منها ، وينفي عنه ما عداه . ( 5 ) إضراب انتقال عن التّعذّر العادّي إلى التّعذّر العقليّ ، فلا يرد عليه بأنّه لا وجه لهذا الإضراب ، لأنّ قول المصنّف : « لا يكاد يوجد » يفيد المحاليّة ، وجه عدم الورود أنّ ما ذكره