تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
[ غريبا نحو :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 1 » ( 1 ) ] أي لو شاء اللّه هدايتكم لهداكم أجمعين ، فإنّه لما قيل :
وَلَوْ شاءَ
علم السّامع أنّ هناك شيئا علّقت المشيئة عليه ( 2 ) لكنّه ( 3 ) مبهم عنده ، فإذا جيء بجواب الشّرط ( 4 ) صار ( 5 ) مبيّنا له ، وهذا ( 6 ) أوقع في النّفس
شرح
( 1 ) هذا مثال للنّفي ، أي إنّ المفعول الّذي لم يكن تعلّق فعل المشيئة به غريبا قوله تعالى :وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ،أي لو شاء اللّه هدايتكم لهداكم أجمعين . ( 2 ) أي تعلّقت المشيئة بذلك الشّيء ، فيكون على بمعنى الباء ، ولو قال تعلّقت المشيئة به بدل » عليه » لكان أوضح ، إذ حاصل المعنى حينئذ أنّه لما قيل :وَلَوْ شاءَعلم السّامع أنّ هناك شيئا تعلّقت المشيئة به تعلّق العامل بالمعمول . فلا يرد ما ربّما يقال إنّ ظاهره أنّ فعل المشيئة معلّق على المفعول به ، مع أنّه ليس كذلك ، لأنّ الإيراد مبنيّ على أن لا تكون على بمعنى الباء ، » وعلّقت » بمعنى تعلّقت ، وقد عرفت أنّ على في قوله : « عليه » بمعنى الباء ، وقوله : « علّقت » بمعنى تعلّقت ، فالمعنى ما ذكرناه ، أعني تعلّقت المشيئة به تعلّق العامل بالمعمول . ( 3 ) أي الشّيء مبهم عند السّامع . ( 4 ) وهو في قوله تعالى :لَهَداكُمْ. ( 5 ) أي صار ذلك الشّيء وهو المفعول مبيّنا بفتح الياء اسم مفعول خبر لصار ، ويجوز أن يكون اسم صار ضميرا عائدا إلى الجواب ، وحينئذ يكون مبيّنا بكسر الياء اسم فاعل ، فالمعنى على الأوّل فإذا جيء بجواب الشّرط صار ذلك الشّيء مبيّنا وواضحا للسّامع . وعلى الثّاني فإذا جيء بجواب الشّرط صار جواب الشّرط مبيّنا لذلك الشّيء . وكيف كان فالحاصل إنّ ذلك المفعول دلّ عليه كلّ من الشّرط والجواب ، إلّا أنّ جهة الدلالة مختلفة ، حيث إنّ الشّرط دلّ عليه إجمالا ، والجواب دلّ عليه تفصيلا . ( 6 ) أي البيان بعد الإبهام » أوقع في النّفس » وأوكد لما فيه من حصول المطلوب بعد الطّلب والتّعب ، ومن البديهي أنّ الحاصل بعد الطّلب أعزّ من المنساق بلا تعب . وبعبارة أخرى إنّ ذكر الشّيء مرّتين مبهما مرّة ، ومبينا مرّة أخرى أوكد وأوقع في النّفس ، أي الذّهن من ذكره مرّة واحدة ولو مبيّنا .
هامش
( 1 ) سورة النحل : 9 .