تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
بلفظ ( 1 ) المضارع بعد قوله تعالى :
الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ
[ استحضارا لتلك الصّورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة ( 2 ) ] يعني إثارة صورة السّحاب ( 3 ) مسخّرا بين السّماء والأرض على الكيفيّات المخصوصة والانقلابات المتفاوتة ( 4 ) . [ وأما تنكيره ] أي تنكير المسند [ فلإرادة ( 5 ) عدم الحصر
شرح
والشّاهد فيه : قوله تعالى :فَتُثِيرُحيث إنّ مقتضى الظّاهر كان التّعبير بالماضي ، أعني أثارت ، لأنّه قد عبّر عن الإرسال بالماضي قبله حيث قال :أَرْسَلَ الرِّياحَ ،وعن السّوق به بعده حيث قال :فَسُقْناهُوالمناسب أن يقال : أثارت لكن عدل عنه إلى المضارع استحضارا لصورة الإثارة البديعة . ( 1 ) أي قال : تثير ، في موضع أثارت قصدا لإحضار تلك الصّورة لدلالة المضارع على الحضور في الجملة ، وإنّما قصد ذلك ، لأنّ النّفس تتسارع إلى إحضار الأمر العجيب وتسرّ به وتتوصل به بما أمكن . ( 2 ) أي الغالبة على كلّ قدرة . ( 3 ) أي صورة إثارة اللّه السّحاب بالرّياح ، فإسناد الإثارة إلى الرّياح في قوله تعالى :فَتُثِيرُمجاز عقليّ ، ومن قبيل الإسناد إلى السّبب . ( 4 ) عطف تفسير للكيفيّات المخصوصة من كونه متّصل الأجزاء ، أو منقطعها متراكما أو غير متراكم بطيئا أو سريعا غليظا أو رقيقا ملونا بلون البياض ، أو الحمرة أو السّواد متحرّكا إلى اليمين أو اليسار ، أو الشّمال أو الجنوب ، أو الفوق أو التّحت ، وبالجملة إنّ الصّورة البديعة السّحابيّة هي بروز قطع السّحاب من حواشي الأفق حتّى تملئ دائرة السّماء بسير وتجمع واتّصال بعض ببعض على كيفيّة مخصوصة .

[ وأمّا تنكير المسند ]

( 5 ) أي فلإرادة المتكلّم إفادة السّامع عدم حصر المسند في المسند إليه ، وعدم العهد والتّعيين في المسند حيث يقتضي المقام ذلك . لم يقل : أما تنكيره فلعدم إرادة الحصر والعهد ، لأنّ عدم الإرادة ليس مقتضيا لشيء ، وإنّما المقتضي والمؤثّر هو الإرادة سواء كانت متعلّقة بالوجود أو بالعدم . لا يقال : إنّ تعليل تنكير المسند بإرادة عدم الحصر والعهد عليل ، لأنّ إرادة عدم الحصر والعهد يمكن مع التّعريف ، لأنّه قد يكون لغير الحصر والعهد ، كقولك : أنت البطل المحاميّ ،