تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
[ على ما أنعم ] أي على إنعامه ( 1 )
شرح
قلت : إنّ المقام في هذه الآيات ليس مقام الحمد ، لأنّها مسوقة لبيان استحقاقه تعالى للحمد واختصاصه به ، لكونه مستجمعا لجميع صفات الكمال ، فعليه مقتضى المقام في تلك الآيات تقديم الظّرف وتأخير الحمد ليفيد تأكيد الاختصاص المسوق له الكلام . ( 1 ) قوله : « أي على إنعامه » إشارة إلى أنّ « ما » في قوله : « على ما أنعم » مصدريّة لا موصولة ولا موصوفة ، فيقع الكلام تارة فيما يتعلّق به كلمة « على » وأخرى في وجه جعل « ما » مصدريّة دون موصولة أو موصوفة . فنقول : إنّ كلمة « على » متعلّقة بمحذوف وهو خبر بعد خبر ولا تكون متعلّقة بالحمد ، لأنّه مستلزم للإخبار عن المصدر قبل تمام عمله وهذا ممّا لم يجوّزه المحقّقون . والمعنى حينئذ : الحمد ثابت للّه وثابت على إنعامه فالكلام يدلّ على استحقاقه تعالى الحمد على ذاته وصفاته معا . من دون كونه موهما لاختصاص الحمد بصفة الإنعام . وأما وجه جعل « ما » مصدريّة دون موصولة أو موصوفة ، فلأنّ المصدريّة لا تحتاج إلى عائد فلا تفتقر إلى التّقدير ، أي ما أنعم به ، بخلاف الموصولة أو الموصوفة حيث يجب حينئذ تقدير الضّمير الرّابط . ثمّ التّقدير وإن كان ممكنا في المعطوف عليه أعني : أنعم ، فيقال : أنعم به . إلّا أنّه متعذّر في المعطوف أعني : « علّم » لكون « ما لم نعلم » مفعوله إلّا أن يقال : إنّه يكفي في صحّة العطف على الصّلة كون الجملة الأولى ذات ضمير فقط إذا كان بين الجملتين اتّصال وارتباط بحسب المعنى كما صرّح به ابن هشام والرّضي ، ولا شكّ أنّ المقام من هذا القبيل حيث إنّ قوله : « علّم » بمنزلة عطف بيان لقوله : « أنعم به » فيكون بينهما كمال الارتباط والملائمة فلا حاجة إلى تقدير الضّمير في الثّانية ليقال بعدم إمكانه وتعذّره ، فالإنصاف إنّ إثبات التعذّر دونه خرط القتاد . نعم يمكن أن يقال بأن جعل « ما » موصولة وإن لم يكن فاسدا إلّا أنّه مرجوح ، لأنّ أئمّة الأدب قد اختلفوا في جواز حذف الضّمير المجرور العائد إلى الموصول فمنع جماعة - منهم الإمام المرزوقي - جواز الحذف مطلقا بدعوى أنّه موجب للالتباس في بعض الموارد ، كما في قولك : جاءني الّذي رغبت عنه ، فإنّه يحتمل عند الحذف أن يكون