تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
غير الفاعل في المبنيّ للفاعل وغير المفعول به في المبنيّ للمفعول به [ للملابسة ] يعني لأجل أنّ ذلك الغير يشابه ما هو له في ملابسة الفعل [ مجاز ( 1 ) كقولهم :
عِيشَةٍ راضِيَةٍ *
فيما بني للفاعل وأسند إلى المفعول به ( 2 ) إذ العيشة مرضيّة [ وسيل مفعم ] في عكسه أعني
شرح
ينصب مفعولا له المصدر إن * أبان تعليلا كجد شكرا ودنفإنّ هذه التّعاريف تنادي بأعلى صوتها على أنّ الكينونة بعد واو المصاحبة معتبرة في حقيقة المفعول معه والمبيّنة للهيئة داخلة في مفهوم الحال ، والرّافعيّة للإبهام معتبرة في التّمييز والدّلالة على العلّيّة داخلة في حقيقة المفعول له ، ومعلوم أنّ هذه الخصوصيّات تزول عند النّيابة ، فلا يمكن أن تقع نائبة مع بقائها على حالها . ( 1 ) توضيح المجاز : إنّ الرّضا صفة الرّاضي ، فحقيقة الكلام : رضي الرّجل عيشة ، فأسند الفعل إلى المفعول به من غير أن يبنى له ، فحصل رضيت العيشة ، وهو معنى كونه مجازا ثمّ سبك من الفعل المبنيّ للفاعل اسم فاعل ، فقيل عيشة راضية ، فقد جعل المفعول به فاعلا . وبعبارة أخرى إنّ أصله رضي المؤمن عيشة ، ثمّ أقيمت عيشة مقام المؤمن ، لمشابهة بينهما في تعلّق الفعل ، فصار رضيت عيشته ، وهو فعل مبنيّ للفاعل ، فاشتقّ اسم الفاعل منه وأسند إلى ضمير المفعول ، وهو عيشة بعد تقديمه وجعله مبتدأ ، ثمّ حذف المضاف إليه ، فأصبح عيشة راضية . وقال بعضهم الآخر : إنّ الأصل في هذا التّركيب عيشة رضيها صاحبها ، فالرّضا كان في الأصل مسندا إلى الفاعل الحقيقيّ ، وهو الصّاحب ثمّ حذف الفاعل وأسند الرّضا إلى ضمير العيشة ، وقيل : عيشة رضيت ، لما بين الصّاحب والعيشة من المشابهة في تعلّق الرّضا بكلّ وإن اختلفت جهة التّعلّق ، فإنّ تعلّقه بالصّاحب من حيث الحصول منه ، وبالعيشة من حيث وقوعه عليها ، فصار ضمير العيشة فاعلا نحويّا لا حقيقيّا ، ثمّ اشتقّ من رضيت راضية ، ففيه معنى الفعل وأسند إلى المفعول الحقيقيّ فصار عيشة راضية . ونسب إلى الخليل أنّه لا مجاز في هذا التّركيب ، بل الرّاضية بمعنى ذات رضى ، فتكون بمعنى مرضيّة ، فهو نظير لابن وتأمر ، وهو مشكل بدخول التّاء ، لأنّ هذا البناء يستوي فيه المذكّر والمؤنّث إلّا أن تحمل على المبالغة . ثمّ إنّ محلّ الشّاهد هو إسناد الرّاضية إلى الضّمير المستتر الرّاجع إلى العيشة لا إسناده إلى العيشة ، لأنّه إسناد إلى المبتدأ ، والإسناد إليه ليس بحقيقة ولا مجاز عند المصنّف .

[ الأمثلة على المجاز العقليّ ]

( 2 ) أي أسند قوله : « راضية » إلى ضمير ال « عيشة » المفعول به .