تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
فإن قلت : لم لم يجعلوه اسم مفعول من سرّج اللّه وجهه أي بهّجه وحسّنه ( 1 ) .
شرح
كما يأتي تفصيله - فبعيد ، فلذا يكون غريبا . وأمّا تفصيل الكلام في غرابة ( مسرّج ) فلأنّ « مسرجا » تارة فسّر بالسّيف السّريجي في الدّقّة والاستواء ، وأخرى بالسّراج في البريق واللّمعان ، والتّفسير الأول نسب إلى ابن دريد ، والثّاني إلى ابن سيدة ، وكلّ منهما بيان لحاصل المعنى ، فإنّ نفس المعنى المستعمل فيه « مسرّجا » هو مفهوم منسوب إلى السّراج من حيث إنّه شبيه به في البريق واللّمعان أو إلى السّريجيّ من حيث إنّه شبيه به في الدّقّة والاستواء . ثمّ وجه الغرابة في قوله « مسرّجا » أنّهم لمّا رأوا أنّ قوله « مسرّجا » لمكان أنّه اسم مفعول مشتقّ لا بدّ فيه من أصل يرجع إليه قضاء لحقّ الاشتقاق ففتّشوا كتب اللّغة ولم يجدوا فيها التّسريج ، بل وجدوا من هذه المادّة السّراج والسّريجي هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى رأوا أنّه لا يصحّ أن يلتزموا بخطأ قوله : « مسرّجا » لكونه صادرا من شخص عارف باللّغة ، ومن ناحية ثالثة رأوا أنّ الفعل المشتقّ من التّفعيل يستعمل كثيرا في نسبة الشيء إلى مبدئه المجرّد حقيقيّا كان أو جعليّا ، كقولهم فسّقته وكرّمته وتمّمته أي نسبته إلى الفسق والكرم والتّميم ، وكذلك اسم مفعول مشتقّ منه ، فعلى ضوء تلك النّواحي التزموا بأنّ قوله « مسرجا » يكون للنّسبة إلى السّراج أو السّريجي . ثمّ إنّه لمّا كانت النّسبة محتاجة إلى ملاك مصحّح لها مثل كثرة بيع اللّبن والتّمر في لابن وتأمر ، وكثرة الفسق والكرم في فسّقته وكرّمته ، وكثرة التّولد من التّميم في تمّمته ولم يكن في المقام ما يكون صالحا لا يكون ملاكا لنسبة الأنف إلى السّراج أو السريجي إلّا كونه شبيها بهما التزموا بأنّ قوله : « مسرّجا » للنّسبة التّشبيهيّة وإن كان هذا بعيدا لعدم كونه متعارفا لأنّ الفعل المشتقّ من التّفعيل أو الصّفات المشتقّة منه ، وإن كان يجيء للنّسبة كثيرا إلّا أنّه يجيء لنسبة غير تشبيهيّة ، فحمل « مسرّجا » على النّسبة التّشبيهيّة بعيد جدّا ، ومن ذلك يعدّ غريبا ، فوجه الغرابة عدم مجيء الوصف للنّسبة التّشبيهيّة في محاوراتهم ، وهنا وجوه أخرى للغرابة تركناها رعاية للاختصار . ( 1 ) حاصل السّؤال أنّا نجعل « مسرّجا » اسم مفعول من سرّج اللّه وجهه أي نوّره ، فمعنى « مسرّجا » منوّرا ، وحينئذ يكون قوله « مسرّجا » خاليا من الغرابة إذ ليست فيه نسبة تشبيهيّة فيكون فصيحا .