من فسّر بتحسين الصّوت ويظهر ذلك من بعض عبارات أهل اللّغة والظّاهر أنّ في الغالب لا ينفكّ التّحسين من الوصفين المذكورين ( معنى التّرجيع والإطراب ) ومنهم من فسّر بمدّ الصّوت ومنهم من قال من رفع صوتا ووالاه فهو غناء ولعلّ الإطراب والتّرجيع مجتمعان غالبا وقيل ما يسمّى غناء عرفا وإن لم يشتمل على القيدين ولا خلاف عندنا في تحريم الغناء في الجملة والأخبار الدّالّة عليه متظافرة وصرّح المحقّق وجماعة ممّن تأخّر عنه بتحريم الغناء ولو كان في القرآن لكن غير واحد من الأخبار يدلّ على جوازه بل استحبابه في القرآن بناء على دلالة الرّوايات على جواز حسن الصّوت والتّحزين والتّرجيع في القرآن بل استحبابه والظّاهر أنّ شيئا منها لا يوجد بدون الغناء على ما استفيد من كلام أهل اللّغة وغيرهم وفصّلناه في بعض رسائلنا ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصّادق عليه السّلام أنّ القرآن نزل بالحزن فاقرأه بالحزن وقال السّيّد سبط الجزائري قدّس سرّه في كشف الغطاء لعلّ معنى نزول القرآن بالحزن كون جبرئيل ع حزينا عند نزوله روى عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام قال ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا ولم يزل كذلك منذ أهلك اللَّه فرعون فلمّا أمر اللَّه تعالى بنزول الآن وقد عصيت الآيات نزل ع وهو ضاحك مستبشر فقال له رسول اللَّه ص ما أتيتني إلّا تبيّنت الحزن في وجهك إلّا هذه السّاعة قال نعم يا محمّد لمّا غرق اللَّه فرعون قال آمنت أنّه لا إله إلّا اللَّه الّذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فأخذت حمأة فوضعتها في فمه ثمّ قلت له الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين وعملت ذلك من غير إذن اللَّه ثمّ خفت أن تلحقه الرّحمة من اللَّه عزّ وجلّ ويعذّبني اللَّه بما فعلت فلمّا كان الآن وأمرني أن أؤدّي إليك ما قلت أنا لفرعون آمنت وعلمت أنّ ذلك كان للّه رضى انتهى موضع الحاجة وفيه أنّه يعارضه رواية أخرى لعليّ بن إبراهيم نقلها بعد الرّواية السّابقة عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال قلت له يا ابن رسول اللَّه خوّفني فإنّ قلبي قد قسا فقال يا محمّد استعدّ للحياة الطّويلة فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللَّه ص وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجيء وهو متبسّم فقال رسول اللَّه ص يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا قال يا محمّد ص وضعت منافخ النّار فقال وما منافخ النّار يا جبرئيل فقال يا محمّد إنّ اللَّه أمر بالنّار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت الخبر فإنّ قوله وقد كان يجيء قبل ذلك وهو متبسّم مناف لقوله في الرّواية الأولى ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا إلى آخره فيمكن أن يكون الوجه فيه ما كان يعتريه عليه ص حين نزول الوحي من الحال فإنّه لا يكون إلّا مع الخوف ممّا كان يشاهده من عظمته تعالى وهو يوجب الحزن فتأمّل وتدبّر قوله والظّاهر أنّ إلى آخره أقول هذا بيان لوجه دلالة الرّوايات المجوّزة فتحسين الصّوت وتحزينه وترجيعه في القرآن على جواز الغناء فيه ولا يخفى أنّ في دلالة بعض هذه الرّوايات الأربعة عشر المذكورة في المتن على ما ذكره من جواز تحسين الصّوت تأمّلا بل منعا وعن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال إنّ اللَّه أوحى إلى موسى بن عمران إذا وقفت بين يديّ فقف موقف الذّليل الفقير وإذا قرأت التّوراة فأسمعنيها بصوت حزين وعن حفص قال ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر ع ولا أرجى للنّاس منه وكانت قراءته حزنا فإذا قرأ فكأنّه ع يخاطب إنسانا وفي رواية عبد اللَّه بن سنان اقرءوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وفي رواية النّوفلي عن أبي الحسن ع قال ذكرت الصّوت الحسن عنده فقال إنّ عليّ بن الحسين ع كان يقرأ القرآن فربّما يمرّ به المارّ فصعق عن صوته إنّ الإمام ع لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله النّاس من حسنه الحديث وفي رواية عبد اللَّه بن سنان عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله لم يؤت أمّتي أقلّ من ثلاث الجمال والصّوت الحسن والحفظ وفي رواية أبي بصير عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله أنّ من أجمل الجمال الشّعر الحسن ونغمة الصّوت الحسن ( الشّعر هنا بقرينة ذكر الجمال بفتح
الشّين لا بكسرها كما في النّبوي ص إنّ من الشعر لحكمة وكونه من الجمال أمّا في الرّجال فباستواء اللّحية وأمّا في النّساء فبطول شعر الرّأس وشدّة سواده قال امرؤ القيس ) :
وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيب كقنو النّخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلى * تظلّ العقاص في مثنّى ومرسل
وفي رواية عبد اللَّه بن سنان عن النّبي صلّى اللَّه عليه وآله لكلّ شيء حلية وحلية القرآن الصّوت الحسن وفي رواية أخرى عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ما بعث اللَّه نبيّا إلّا حسن الصّوت ( قال السّيّد الماجد قدّس سرّه والسّر في ذلك أنّ أحسن الصّوت تابع لاعتدال المزاج كما برهن في موضعه ومزاج الأنبياء من أعدل الأمزجة انتهى ) وفي رواية أخرى عن أبي عبد اللَّه ع قال كان عليّ بن الحسين ع أحسن النّاس صوتا بالقرآن وكان السّقّاءون يمرّون ببابه يستمعون قراءته وفي رواية أخرى عن أبي جعفر عليه السّلام ( الرّواية في الكافي رواها عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر عليه السّلام إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جاءني الشّيطان فقال إنّما ترائي بهذا أهلك والنّاس قال يا أبا محمّد اقرأ ما بين القراءتين تسمع أهلك ورجّع إلى آخر ما ذكر في المتن ) أقول في قوله اقرأ ما بين القراءتين إيماء إلى قوله تعالى
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
إلى قوله تعالى
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
وفي قوله تسمع أهلك تحديد لما بين القراءتين ) رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللَّه عزّ وجلّ يحبّ الصّوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا وروى معاوية بن عمّار في الصّحيح قال قلت لأبي عبد اللَّه ع الرّجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدّعاء والقرآن حتّى يرجّع صوته فقال لا بأس إنّ عليّ بن الحسين ع كان أحسن النّاس صوتا بالقرآن فكان يرفع صوته حتّى يسمعه أهل الدّار وإنّ أبا جعفر ع كان أحسن النّاس صوتا بالقرآن فقال إذا قام باللّيل وقرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطّريق من السّقّاءين وغيرهم فيقيمون فيستمعون إلى قراءته وفي الفقيه سأل رجل عليّ بن الحسين ع عن شراء جارية لها صوت فقال ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة يعني بقراءة القرآن