بهذا المعنى لا يخلو من التقويم والتقدير ، اي من الحكم على الحضارات بنسبتها إلى المثل العليا المتصورة في الأذهان ، ويدل تطور هذه المثل العليا على اتجاهها إلى الاشتراك في عناصر متشابهة ، لسرعة انتقال الأفكار والأشياء من إقليم حضاري إلى آخر .
والحضارة بمعنى ما مرادفة للثقافة ، الا ان هذين اللفظين لا يدلان عند العلماء ، على معنى واحد ، فبعضهم يطلق لفظ الثقافة على تنمية العقل والذوق ، وبعضهم يطلقه على نتيجة هذه التنمية ، أي على مجموع عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات .
وكذلك لفظ الحضارة ، فان بعضهم يطلقه على اكتساب الخلال الحميدة ، وبعضهم يطلقه على نتيجة هذا الاكتساب ، أي على حالة من الرقي والتقدم في حياة المجتمع بكاملها ، وإذا كان بعض العلماء يطلق لفظ الثقافة على المظاهر المادية ، ولفظ الحضارة على المظاهر العقلية والادبيّة ، فان بعضهم الآخر يذهب إلى عكس ذلك . دع ان لفظ الثقافة يدل عند علماء الانتروبولوجيا على مظاهر الحياة في كل مجتمع ، متقدما كان أو متخلفا ، على حين ان لفظ الحضارة عندهم يدل على مظاهر هذه الحياة في المجتمعات المتقدمة وحدها .
وخير وسيلة لتحديد معنى كل من هذين اللفظين اطلاق لفظ الثقافة على مظاهر التقدم العقلي وحده ، وهي ذات طابع فردي ، واطلاق لفظ الحضارة على مظاهر التقدم العقلي والمادي معا ، وهي ذات طابع اجتماعي ( ر : الثقافة ) .
المعجم الفلسفي — صفحة 477
مساهمون: جميل صليبا
ص٤٧٧