فان كانت حاصلة فينا من مبدأ نشوئنا ونحن لا نشعر بها فهو عجيب وكيف ولم يخطر البتة ببالنا في عهد الصبا « أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية » أو « الشيء الواحد لا يخلو من أحد طرفي النقيض » .
وان حدثت بعد ما لم تكن فحدوثها بطريق البرهان أو دونه ، فان كانت حدثت من غير برهان أو همت المحال بموجب قولكم لأنكم حسمتم سبيل اقتناص المجهولات التصديقية دون البرهان ، وان حدثت بطريق البرهان لزم التسلسل والدور وهما محالان .
فالطريق إلى حل هذا العويص هو : أنها ليست حاصلة منذ خلقنا بالفعل بل بالقوّة ، وليس كل علم تصديقي حصل بعد ما لم يكن فحصوله بالبرهان بل ما إذا تصوّرت مفرداته وروعيت النسبة بينها بالايجاب أو السلب توقف الذهن عن الحكم الجزم فيها .
والأوّليات ليست من هذا القبيل ، بل الذهن إذا تصوّر مفرداتها لم يتوقف في الحكم بالنسبة الواجبة بينها على شيء آخر ، وانما لم تكن حاصلة بالفعل لفقدانها ما يجب تقدمه عليها من التصوّر ، فان كل تصديق فيتقدمه تصوّرات كما عرفت ، وشبكة اقتناص هذه التصورات هي الحواس فما لم تنطبع المحسات فيها ولم تتأدّ منها إلى الخيال لم يأخذ العقل في التصرف فيها .
وبيان هذا أن لنا قوّة درّاكة لبعض المعقولات بلا تعلم واكتساب ولبعضها بتعلم ، وقد عرفت طريق التعلم وما ندركه بلا تعلم فهو بمعاونة الحس الظاهر والباطن ، فان الحس - وليكن حس البصر - إذا أدرك شجرة أو انسانا أو فرسا ، تأدّت تلك الصورة المنطبعة من الحس إلى الخيال وهو من الحواس الباطنة .
ثم أقبلت القوّة الدرّاكة للمعقولات على هذه الصور فالّفتها متفقة في أشياء مختلفة في أخرى ، فميزت المتفق فيه وهي الجسمية عن المختلف فيه وهي الحيوانية والنباتية ، وميزت الحيوانية المتفق فيها بين الانسان والفرس عما اختلفا فيه من الانسانية والفرسية ، فيكون هذا اقتناص المعاني الكلية .
ثم اعتبرت الذاتية والعرضية بين الأوصاف والموصوفات في هذه
البصائر النصيرية في علم المنطق — صفحة 417
مساهمون: عمر بن سهلان الساوي
ص٤١٧