تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الصلاة تقرير أبحاث السيد محمد المحقق الداماد ( وتليه كتاب أسرار الصلاة ) — صفحة أسرار الصلاة 40

مساهمون:

صأسرار الصلاة ٤٠
وكما أنّ ظاهر القرآن العربيّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكذلك سرّه الذي هو العليّ الحكيم منزّه عن تسرّب الباطل عن أيّة جهة وسمت أبدا ، ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من حبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ باطل وخطأ فكيف ينال ما هو المصون عنه مطلقا ؟ إذ لا طريق للخطإ إلى الصواب ، فالحنين إلى رأس الخطأ لا يجتمع مع عزم الصائب الصرف ، كما لا تجتمع وليمة وعزيمة . وحيث إنّ أدب الصلاة ذريعة إلى سرّها فالمصلّي المتأدّب بأدبها من الحضور القلبيّ يصل إلى سرّها ، وهو الوجود العينيّ العقليّ الفائق عن الوجود المثاليّ ، فضلا عن الطبيعيّ ، سيّما الاعتباريّ المتحقّق في عالم الطبيعة . وما صلاه الرسول الأكرم - صلّى اللّه عليه وآله - في المعراج كان جامعا لجميع نشآت الصلاة ، والمصلّي الذي له حضور تامّ فهو الذي يناجي ربّه ، ويقول : إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ، ومعلوم أنّ هذا المصلّي المستغرق في شهود الكثرة - حسب التعبير بصيغة المتكلّم مع الغير - لم يبلغ بعد مرحلة الوحدة الصرفة الّتي لا أثر هناك للنجوى ولا للمناجي ، فضلا عن غيرهما من أولي العبادة والنداء والنجوى والاستعانة ، ولكنّ السلّم منصوب ، والأمر بالقراءة والرقي ( اقرأ وارق ) مسموع ، والامتثال ميسور . وقد تقدّم : أنّ النظام العينيّ قد استقرّ على العلّيّة والمعلوليّة كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام : « كلّ قائم في سواه معلول » « 1 » ، أي : كلّ موجود لا يكون وجوده عين ذاته فهو معلول لما يكون وجوده محض ذاته ، ولا ريب في لزوم كون العلّة أقوى من المعلول ، ومع ذلك قال بعض أهل المعرفة « 2 » : إنّ « بسم اللّه » من العبد بمنزلة « كن » من الربّ ، وقد ورد فيه : أنّه أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها ، فالمصلّي العارف بحكمة الصلاة ، المتأدّب بأدبها يصل إلى حدّ يكون تلفّظه ب‍
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
في بدء الفاتحة الّتي لا صلاة بدونها بمنزلة « كن » من اللّه الذي إذا صدر منه يتحقّق المراد ويكون ( بالكون التامّ لا الناقص ) .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة « 186 » . ( 2 ) انظر الفتوحات المكّيّة .