والأوّل : بعيد جدّا ، لأنّ القدماء هم الوسائط في النقل والمجاري لفيض العلم عن معدنه ومنبعه ، فلا يمكن عادة عدم عثورهم على ما ظفر به متأخّر المتأخّرين .
والثاني : موجب لسقوطه عن الحجّية ، لأنّ إعراضهم عن السند كاشف تام عن وهنه .
وأمّا الثالث : فلا ضير فيه ثبوتا ، لأنّه كم ترك الأوّل للآخر ! فلا امتناع في عدم استفادتهم من الدليل ما استفاده المتأخرون أو متأخروهم عنه . إنّما الكلام في الإثبات ، إذ من المستبعد عدم تفطّنهم بما يدلّ عليه دليل المنع نصّا أو ظاهرا .
والحاصل : أنّ منشأ الاختلاف لو كان هو الاختلاف في الاجتهاد ، فلا محذور في المخالفة عند رجحان مقال الآخرين ، فلنأت بسند المنع أوّلا ، وبما قيل أو يقال فيه ثانيا .
فمن ذلك : ما رواه عن محمّد بن عبد اللَّه الحميري قال : كتبت إلى الفقيه عليه السّلام أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا ؟ فأجاب :
( وقرأت التوقيع ومنه نسخت ) وأمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة بل يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأمّا الصلاة فإنّها خلفه ويجعله الأمام ، ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ، لأنّ الإمام لا يتقدم ، ويصلّي عن يمينه وشماله « 1 » .
ومنه : ما رواه الطبرسي في « الاحتجاج » عن محمّد بن عبد اللَّه الحميري عن صاحب الزمان مثله « 2 » ( أي ما نقل الآن ) إلا أنّه قال : « ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لأنّ الإمام لا يتقدم عليه ولا يساوي » .
هامش
( 1 ) الوسائل الباب 26 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2 .
( 2 ) الوسائل الباب 26 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2 .