الذهب المكتنز في القصور الفارسية والأديرة البيزنطية عادت مرة أخرى إلى التداول النقدي ، ودخل الذهب في التداول من شمال الهند إلى الأندلس ، وغدت الحضارة الإسلامية الزاهية من حضارة مادية وحضارة معنوية على السواء ، وما سمي بالنهضة الإسلامية بفنانيها وعلمائها ومفكريها ومدنها الزاهرة كبغداد والقاهرة وقرطبة ، غدا ذلك كله كأنه محمول على هذا المجرى من الذهب الناتج من استغلال كافة مناجم الذهب القديمة المعروفة في الشرق الإسلامي ، وورود ذهب السودان وإفريقيا إلى المغرب الإسلامي عن طريق سجلماسة التي أسست بإقليم تافيللت جنوب الجزائر عام 757 ميلادية ، وأصبح الدينار العملة الرئيسية في العالم الإسلامي ، وعملة حقيقية تستخدمها التجارة الكبيرة وعملة حسابية لتقدير الضرائب ، ولم يعد الدرهم إلا عملة مساعدة أو أداة الصفقات المحلية الصغيرة .
وبذلك احتل الدينار في العالم المتحضر وقتئذ المكانة التي كانت تشغلها العملة الذهبية البيزنطية ( النوميسا ) في القرن السادس ، والعملة الفضية الفارسية الدرهم الساساني في ( القرن السابع ) ، ولم يقنع الدينار بهذه المكانة ، بل أوغل في التقدم نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو الشمال حتى أواسط أوروبا ، إلى أبعد مما وصلت إليه العملات البيزنطية والفارسية ، وأصبح في قوته مثل الدولار الأمريكي في العصر الحاضر .
وإذا استشهدنا بالنظرية الحديثة التي نادى بها الأستاذ " والت ديتمان روستو " بجامعة كمبردج ، والتي يقسم بها التطورات التي تمر بها الحضارات إلى أقسام خمسة هي :
1 - المجتمع المتمسك بتقاليد معينة .
2 - المجتمع الذي يمر بفترة انتقال يتم خلالها وضع الأسس الذي سيبنى عليها تغيير ذلك المجتمع .
3 - المجتمع الذي يجتاز فترة حرجة في حياته وهي فترة الانطلاق وابتداء حياة جديدة .
4 - المجتمع الناضج وهو المجتمع الذي تنتشر فيه أساليب ونظرات جديدة إلى النظم والوسائل الاقتصادية .
5 - المجتمع الذي وصل إلى مرحلة الاستهلاك على نطاق واسع .
فإننا نستطيع أن نقول بانتهاء فترة الانتقال في بدء العصر العباسي ، ثم ظهور فترة الانطلاق في الفلك والرياضيات تحت ضغط التحدي الخارجي والشعور
القانون المسعودي — صفحة 6
مساهمون: أبو ريحان البيروني
ص٦