الباب الأول في مقدار زاوية تقاطع معدّل النهار مع منطقة البروج وهو الميل الأعظم
معلوم أن معدّل النهار في مداره ثابت الوضع في كل بلد على فلك نصف نهاره ، وإن منطقة البروج في أبعاضها مختلفة الوضع عليه في جميع الدورة التي يستوفيها اليوم بليلته ، ولهذا تتفرّد أجزاؤها بارتفاع في فلك نصف النهار بحسب ميولها عن معدل النهار ، فتتردّد هذه الارتفاعات فيه فيما بين حدّين إن كانا عن سمت الرأس إلى جهة واحدة من الشمال والجنوب ، فأعظم وأصغر يكون الميل الأعظم نصف ما بينهما ، وإن كانا عنه في جهتين مختلفتين فأصغرين يكون الميل الأعظم نصف مجموع تماميهما .
فقد استبان أن تحصيل الميل الأعظم مقصور على رصد الارتفاعين اللذين منهما تنقلب الشمس عما كانت فيه من تزايد الارتفاع أو تناقصه إلى ضده ، والارتفاع في فلك نصف النهار يضبط بحلقة تلزم سطحه حتى توازيه في الحس ، ويعلم بعضادة ذات هدفتين إما مستقيمة الصورة مركبة على مركز الحلقة ، وذلك لا يتهيأ إلّا باحتشاء وسط الحلقة كله ، كالحال في ظهور الاسطرلابات أو بعضه بقطر أو قطرين يخرجان فيها ليستبين بهما المركز ويتمكّن فيهما القطب من العضادة ، وإما مستديرة الصنعة يماسّ ظاهرها باطن الحلقة فلا يزول عن سطحها إما بمواسك عليها من الجانبين تمسّ وجهي الحلقة ، وإما على وسط باطنها كأوتاد داخلة في جدول بإزائها محفور بالخرط في باطن الحلقة ، وهي مع العضادة المستديرة هما الحلقتان اللتان ذكرهما بطليموس .
وظاهر أن هذه الحلق تحتاج إلى التوسيع وتعظيم الجثة بحسبه ليتمكن من قسمتها بما أمكن من الأجزاء الدقيقة ، ثم إنها إذا عظمت لم تتجرد عن لواحق طبيعية تغير شكلها حتى يطولها النقل في التعليق ويعرضها الاعتماد والضغط في النصب ، فلهذا أشار بطليموس إلى لبنة في سطح فلك نصف النهار يقوم ربع الدائرة المخطوط على وجهها مقام ربع تلك الحلقة ويقل فيها مع ذلك ما طرق الحلقة من الخلّة ، وإليها أجرى أكثر المحدثين بعد أن عظّموها وصيّروها جدارا