وأيام صومهم هذا وهو الكبير لا نكاد نجد لها معلّلا منها إلا ونشير إلى الأربعين يوما التي فيها أمسك المسيح عليه السلام عن الطعام في البريّة مغايظة للشيطان في وساوسه ، وإظهارا له صدق التوكّل على اللّه عزّ وجلّ ، وإنها قدمت على الأسبوع الذي دخل فيه بيت المقدس وانقرض في آخره أمره ، وإن هذا الأسبوع أدخل في الجملة بسبب الآحاد التي في ضمن الأربعين لأنها لا تدخل في الصوم ، ولو كان الأمر كما ظنّوه للزمهم في الأربعين قضاء خمسة آحاد ولكان فطرهم هو السابع والأربعون من مبدأ الصوم لتحلّل يوم أحد سادس في القضاء بعد الأربعين وليست كذلك ، وإنما أصلها أن أحكام التوراة قائمة إلّا ما نسخه نص من جهة المسيح أو أصحابه ، والعشر فيها من كل شيء مفروض وعشر السنة خمسة وثلاثون يوما وخمسا يوم مجبور لأن الصوم لا يتبعّض ، فالصوم إذن ستة وثلاثون يوما ، لكن المسنون للنصارى حظر الصوم عليهم في السبوت والآحاد ما خلا سبت واحد في السنة هو التابع لجمعة الصلبوت ، ومعلوم أن صائمهم متى قصد صيام ستة وثلاثين يوما مفتتحة بيوم اثنين إنها لا تتم له في أقل من سبعة أسابيع لسقوط سبعة آحاد من خلالها وست سبوت ، لأن الذي في الأسبوع السابع غير ساقط ، وفصل ما بين الثلاثة عشر وبين التسعة والأربعين عدة الصيام المقصودة ، ولو كانت أربعين مع ما سنّ لهم في السبت والأحد لما تمت إلّا في أربعة وخمسين يوما آخرها يوم جمعة ، وعندهم أن اليهود أخذوا المسيح ليلة الجمعة وهي عيد الفصح لهم ، وصلبوه فسميت لذلك جمعة الصلبوت ، ثم دفن فيما زعموا ، ومكث في القبر إلى صباح يوم الأحد ، وانبعث منه فكان يوم الأحد حينئذ بعد الفصح ولهذا جعلوه كذلك بعده ، فمتى وجدت الشريطة في يوم الأحد أن يتلو الفصح فهو فطر صومهم ثم يتقدم منه إلى يوم اثنين بسبقه بتسعة وأربعين يوما ، فيكون أول الصوم ، ولأن عند اليهود أن السنين التامّة من آدم إلى الإسكندر كما قلنا ( 2448 ) ، فيكون الماضي من المحزور الناقص تسع سنين وأول التاريخ من العاشرة وهي عند النصارى بزيادة ( 1732 ) ، وعلى كثرة اختلافهم فيما يجمعون في عمل الصوم على أن الماضي من المحزور الناقص وهو بالسريانية عيقلا وباليونانية ففلس اثنتا عشرة سنة ، وأن أول التاريخ من الثالثة عشر ، ولم يتفقوا على سنة بعينها في الصلبوت بل نجد بعضهم يؤرخه بسنة ( شلو ) للإسكندر ، ويزعم أن الفصح كان فيها في التاسع والعشرين من آذار على ما حكى أبو جعفر الخازن ، وذلك يوجب أن يكون يوم الخميس لأن أول آذار فيها يوم الخميس ، ويمكن أن يتأول بأن الفصح هو الذي أفسح فيه المسيح يوم الجمعة من جملة أيام
القانون المسعودي — صفحة 245
مساهمون: أبو ريحان البيروني
ص٢٤٥