فاللّه القادر على إنشاء الإنسان من العدم ، والذي قال عنه متعجّبا وموبّخا :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى
« 1 » ، وقال مستهزئا به ومقرّعا له :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ
« 2 » ، لتكون منه النطفة فالعلقة فالمضغة فالعظام فاللحم ، فالخلق السّويّ الذي يشدّه بالعصب ، ويجري فيه الرّوح والنّفس والدم في القلب والعروق . . هذا الخالق قادر على أن يفعل ما يشاء ، كيف يشاء ، حين يشاء ! .
فأقبح بالإنسان منكرا ومتنكّرا لما يقع تحت حسّه ، فضلا عما لا يقع تحت حسّه ولا يصل إليه إدراكه ! ! !
ألا إن ذلك لا يدلّ على عجب في الموضوع ، بمقدار ما يدلّ على عجز في الحواس ، وقصور في الإدراك ، وضعف عند الإنسان ، بل يدلّ على تفاهته وعقوقه ، لأنه لا يكاد يقف على قدميه حتى يتطلّع إلى تقويض السماء ، والشّرك بربّه الذي
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
« 3 » ، يعلن العداوة للدّين والديّان ، وتنصب النطفة القذرة نفسها خصيما مبينا لبارئها . . لله . . الذي يقهرها بالموت فيجعلها جيفة يتعجّل ذووها لطمرها بالتراب للتخلّص من نتنها ! ! !
فليس كل ما لا يقدر أن يستوعبه العقل مستحيلا . ولو كان ذلك للزم إدراك كنه من
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
« 4 » . . على أن الإله الذي نتوصّل إلى معرفته وتحديده بمكان وزمان ، نقلّل من أهميته ونفقده عظمة الألوهية وجلالها . .
ومن مفارقات إنسان عصرنا الذي اجترح العجائب وأتى بالمعجزات أن ينكر ما لا تدركه حواسه ، ويستوعبه إدراكه المحصور في هذه الجمجمة المقفلة الصّلبة . فإنّه وإن سخّر الهواء والماء والكهرباء ، وصعد بالطائرة والصاروخ إلى الفضاء والأجواء ،
هامش
( 1 ) القيامة - 37 .
( 2 ) المرسلات - 20 / 21 .
( 3 ) النحل - 4 .
( 4 ) الأنعام - 103 .