فنظرت يمنة ويسرة فلم أر أحدا غيرهم فقلت : لي أسوة بجدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين عبد ربّه سرا وهو يومئذ في تسعة وثلاثين رجلا ، فلمّا أكمل اللّه له الأربعين صار في عدة وأظهر أمر اللّه ، فلو كان معي عدتهم جاهدت في اللّه حق جهاده .
ثم رفعت رأسي نحو السماء فقلت :
اللهم إني قد دعوت وأنذرت وأمرت ونهيت ، وكانوا عن إجابة الداعي غافلين وعن نصرته قاعدين وعن طاعته مقصرين ولأعدائه ناصرين ، اللهم فأنزل عليهم رجزك وبأسك وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين .
ونزلت ثم خرجت من الكوفة راحلا إلى المدينة ، فجاؤوني يقولون : إن معاوية أسرى سراياه إلى الأنبار والكوفة وشنّ غاراته على المسلمين ، وقتل من لم يقاتله وقتل النساء والأطفال ، فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم ، فأنفذت معهم رجالا وجيوشا وعرفتهم أنهم يستجيبون لمعاوية وينقضون عهدي وبيعتي ، فلم يكن إلّا ما قلت لهم وأخبرتهم .
ثم يقوم الحسين عليه السّلام مخضّبا بدمه وهو وجميع من قتل معه ، فإذا رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكى وبكى أهل السماوات والأرض لبكائه ، وتصرخ فاطمة عليها السّلام فتزلزل الأرض ومن عليها ، ويقف أمير المؤمنين عليه السّلام والحسن عن يمينه وفاطمة عليها السّلام عن شماله ويقبل الحسين عليه السّلام فيضمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى صدره ويقول : يا حسين فديتك قرّت عيناك وعيناي فيك .
وعن يمين الحسين عليه السّلام حمزة أسد اللّه في أرضه ، وعن شماله جعفر بن أبي طالب الطيار ، ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السّلام وهن صارخات ، وأمّه فاطمة تقول :
هذا يومكم الذي كنتم توعدون ، اليوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا » .
قال : فبكى الصادق عليه السّلام حتى أخضبت لحيته بالدموع ثم قال : « لا عين لا تبكي عند هذه الذكرى » .
قال : وبكى المفضّل بكاءا طويلا ثم قال : يا مولاي ما في الدموع ؟
فقال : « ما لا يحصى إذا كان من محق » .
فقال : يا مولاي ما تقول في قوله تعالى :
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
« 1 » .
قال : « يا مفضّل الموؤودة واللّه محسن ، لأنه منّا لا غير ، فمن قال غير هذا فكذبوه » .
هامش
( 1 ) سورة التكوير ، الآية : 8 - 9 .