عبد اللّه قال : إنّ اللّه تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء ، حتّى واللّه ما نزّل اللّه شيئا يحتاج إليه العباد ، حتّى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا أنزل في القرآن إلّا وقد أنزله اللّه فيه « 1 » .
وفيه أيضا بإسناده إلى عمرو بن قيس عن أبي جعفر قال : سمعته يقول : أنّ اللّه تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّا ، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا « 2 » .
وكذا غيرهما من الأخبار الأخرى في ذلك الباب .
وكذا لا ريب أنّ القرآن لم يبيّن تلك الفروع والأحكام الجزئية وكلّ ما يحتاج إليه النّاس في أمورهم الدينية والدّنيوية على التفصيل والبسط ، وهذا لا ينافي قوله عزّ وجلّ في الآيتين المذكورتين لأنّ الكتاب مشتمل على أصول كلّية ، يستنبط منها الأحكام الجزئيّة والقوانين الإلهيّة من كان عارفا بها حقّ المعرفة ، فلنقدّم لك مثالا في ذلك توضيحا للمراد .
قال المفيد في إرشاده : وروي عن يونس عن الحسن : أنّ عمر أتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها فقال له أمير المؤمنين : إن خاصمتك بكتاب اللّه خصمتك إنّ اللّه تعالى يقول :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
« 3 » .
ويقول عزّ وجلّ :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
« 4 » .
فإذا تممت المرأة الرّضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا ، كان الحمل منها ستّة أشهر فخلّى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك ، فعمل الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا انتهى « 5 » .
وكذا غيره من الوقائع التي قضى فيها أمير المؤمنين عليّ بكتاب اللّه مما يحير العقول ، فهذا الحكم كان ثابتا في الكتاب المجيد ولكن لا تبلغه عقول الرّجال إلا الكمّل منهم الذين هداهم اللّه إليه وعلّمهم معالم دينه ، وجاءت الرّواية في ذلك في الكافي بإسناده عن المعلّى بن خنيس قال : قال أبو عبد اللّه : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا وله أصل في كتاب اللّه ، ولكن لا تبلغه عقول الرّجال .
ونظير ما نقله المفيد جاء في الكافي للكليني بإسناده عن عليّ بن يقطين قال : سأل المهدي أبا الحسن عن الخمر هل هي محرّمة في كتاب اللّه تعالى ، فإنّ النّاس إنّما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها .
هامش
( 1 ) شرح أصول الكافي : 2 / 275 ح 1 ، والمحاسن للبرقي : 1 / 267 ح 352 .
( 2 ) شرح أصول الكافي : 2 / 176 ح 2 ، والبحار : 89 / 84 ح 16 .
( 3 ) سورة الأحقاف ، الآية : 15 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 233 .
( 5 ) بحار الأنوار : 87 / 115 ، والإيضاح : 191 ح 5 .