قوله : فثبّت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه جلّ وعزّ . هذه نتيجة ما قدّم من المقدّمات البرهانية العقلية المستحكمة المباني : الأولى أنّ لنا صانعا ، والثّانية أنّه متعال عن أوصاف مخلوقه . فلم يجز أن يشاهده خلقه ويباشروه فلا بدّ من وسائط ، الثالثة أنّه حكيم عالم بوجوه الخير والمنفعة في النّظام وسبيل المصلحة للخلائق في المعيشة والقوام والبقاء والدوام ، والحكيم لا يخلّ بالواجب ، الرابعة أنّ الإنسان مدني بالطبع فلا بدّ له من سانّ معدل .
قوله : هم الأنبياء وصفوته من خلقه إلى قوله : ثمّ ثبت . بيّن في هذه الفقرات أمرين : الأوّل أنّ النبيّ لا بدّ أن يكون بشرا حيث قال : على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب . الثّاني أنه مع البشريّة يجب أن يكون متميزا من سائر النّاس بأوصاف قدسية خلقا وخلقا حيث قال : غير مشاركين للنّاس في شيء من أحوالهم .
أمّا الأوّل أعني كونه من جنس البشر فلوجوه : الأوّل أنس النّاس به فإنّ الجنس إلى الجنس يميل .
والوجه الثاني : النّاس في حالتهم العادية لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته التي خلق عليها ، لأنه روحاني الذات والقوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك ، بل الجن ما لم يتجسما ويتمثلا بالأجسام الكثيفة والأمثال المرئية وإن كانا يريانا ، كما قال تعالى في الشيطان :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
بل أبصارنا لا تقوى على رؤية بعض الأجسام من عالمنا هذا أيضا كالهواء ، والعناصر البسيطة التي يتألف منها الهواء فكيف تقدر على رؤية ما هو ألطف من الهواء كالجنّ ، وما هو ألطف من الجن كالملك وما هو ألطف منه .
ثمّ لو فرض أن يتمثل الملك أو يتجسد أو يتجسّم بحيث عاينه النّاس لكان في صورة البشر أيضا للوجهين المتقدّمين قال عزّ من قائل :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
« 1 » .
ولذلك كان جبرئيل يأتي النّبي في صورة دحية الكلبي . والملائكة الذين دخلوا على إبراهيم في صورة الضيفان حتى قدّم إليه عجلا جسدا ، وكذلك الذين أتوا لوطا ، وكذلك لمّا تسوّر المحراب على داود الملكان ، كانا في صورة رجلين يختصمان إليه ، وجبرئيل تمثل لمريم بشرا سويّا ، نعم يمكن للأنبياء أن يروا بقوتهم القدسيّة الملائكة وأشباههم على صورتهم الأصلية ، كما جاءت عدّة روايات أنّ خاتمهم رأى جبرئيل على صورته الأصليّة مرّتين وسيأتي الكلام في ذلك في خواص الأنبياء .
والوجه الثالث : النبي لو كان ملكا وإن تجسم بشرا لم تتم الحجة على النّاس ، ولا تسلم له
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 9 .