وعن إسحاق بن إبراهيم ، قال : بلغني أن الحسين بن علي أتى مقابر الشهداء بالبقيع فطاف بها وقال :
ناديت سكّان القبور فأسكتوا * وأجابني عن صمتهم ندب الجثا
قالت : أتدري ما صنعت بساكني * مزّقت لحمهم وخرّقت الكسا
وحشوت أعينهم ترابا بعدما * كانت تباينت المناصل والشوا
قطّعت ذا من ذا ومن هذا كذا * فتركتها رمما يطول بها البلا « 1 »
وقال :
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب اللّه أغلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت * فقتل في سبيل اللّه بالسيف أفضل
وإن كانت الأرزاق شيئا مقدرا * فقلة سعي المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمّعت * فما بال متروك به المرء يبخل « 2 »
وروي أنه وقف أعرابي عليه وعلى أخيه الحسن عليه السّلام لإستبانة فصاحتهما ، وقول الإعرابي ما تقدم من هنا قلبي إلى اللهو وقد ودّع شرخيه فأنشده الحسين عليه السّلام ارتجالا لوقته :
فما رسم شجاني إن محا اية رسميه * سفور درح الذيلين في بوغاء قاعيه
ومود حرحف تترى على تلبيد نوبيه * ودلّاج من المزن دنا نوء سماكيه
أتى مثعنجر الودق يجود من خلاليه * وقد أحمد برقاه فلا ذمّ لبرقيه
وقد جلّل رعداه فلا ذمّ لرعديه * ثجيج الرعد ثجاج إذا أرخى نطاقيه
فأضحى دارسا قفرا لبينونة أهليه « 3 »
ومنه : قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح ، وأنّه عليه السّلام لمّا أحاط به جموع ابن زياد يتقدمهم عمر بن سعد وقصدوه وقتلوا من أصحابه ، ومنعوهم الماء ، وكان له عليه السّلام ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله ، فزملّه عليه السّلام وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال هذه الأبيات :
غدر القوم وقد ما رغبوا * عن ثواب اللّه رب الثقلين
قتلوا قدما عليا وابنه * حسن الخير كريم الأبوين
حنقا منهم وقالوا أجمعوا * نفتك الآن جميعا بالحسين
هامش
( 1 ) تاريخ مدينة دمشق : 14 / 187 .
( 2 ) تاريخ مدينة دمشق : 14 / 187 .
( 3 ) الصراط المستقيم : 2 / 172 .