أمّا مسألة رمي النفس في التهلكة ، فإن التهلكة هي وضع النفس في موضع الضرر أو الخسارة ؛ واختيار الإمام عليه السّلام للقاء اللّه وعودته إلى عرش اللّه ليس فيه ضرر ولا خسارة ، بل هو ربح ومصلحة لمن يعلم بمقامه عند اللّه ، ولمن يعلم من أين أتى وإلى أين يعود .
وإن شئت قلت : نعم الضرر هذا ، لأنّ الضرر من أجل مصلحة أعظم وأفضل لا يعد ضررا ، وإن عدّ فهو لا يلغي الإقدام عليه من أجل المصلحة الكبرى .
وكما أن الشهيد الذي يعلم أنّه يقتل في عمليته الإستشهادية فهو ضرر بهذا المعنى ، ولكنّه مغفور له لأنّه يقدم على فعل واجب أهم من ترك هذا الضرر المحرّم في غير هكذا موضع .
وبعبارة أخرى : كون الفعل هذا مرادا للّه تعالى أو للإمام عليه السّلام يكفي في عدم كونه تهلكة ، فافهم .
وهذا يتناسب مع ما ورد عن الإمام الحسين عليه السّلام أن قتله قضاء محتوم وأمر واجب « 1 » لا مفرّ منه ، فاللّه تعالى قدّر له ذلك ، وان ولايته تنتهي إلى سنة 60 ه . ولا حاجة لوجوده الظاهري بعد هذه السنة في هداية الناس ، فيرجع إلى مكانه الأصلي - الأبدي - .
وأيضا يؤيده ما تقدم عن الإمام الباقر عليه السّلام عندما قرب أجله استدعى ابنه الصادق عليه السّلام وقال :
« إن هذه الليلة التي وعدت فيها » « 2 » .
وكأنه كان ينتظرها بفارغ الصبر وكذلك ما حصل من أمير المؤمنين عليه السّلام عند استشهاده :
« فزت وربّ الكعبة » .
وهذا الوجه يتناسب مع قوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
« 3 » .
فالإمام الولي ينتظر لقاء اللّه تعالى .
* تنوير :
عزيزئ القارئ لا تدع للشيطان عليك سبيلا ليقول لك إذا مات الإمام فإنّ موضعه التراب والقبر ! ! لأنّ الإمام لا يمكث في قبره أكثر من ثلاثة أيام ، ثم ينقله اللّه من قبره بروحه وجسده وعظمه ولحمه إلى عرشه ، إلى مقرّه الأبدي والطبيعي .
وقد حكى الشيخ المفيد ( قده ) إجماع فقهاء الإمامية عليه « 4 » وسوف نأتي على تفصيل ذلك في الكتب القادمة وفيه روايات مستفيضة تأتي « 5 » .
هامش
( 1 ) الهداية الكبرى : 203 باب 5 .
( 2 ) الهداية الكبرى : 239 باب 7 .
( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 103 .
( 4 ) أوائل المقالات : 45 و 4 / 72 ط . المؤتمر .
( 5 ) راجع بصائر الدرجات : 443 - 445 .