وما هو خضوع العقل ؟
هو تسليمه للحقائق ، وإذعانه لها واستجابته لها وعدم تمرده وعدم طيشه على ما هو الحقيقة ، بل يسلم لها أي يخبت لها فهذه عبادة العقل ، فإذا سلم وخضع لما هو حقيقة وواقعية حينئذٍ يكون العقل قد عبد الواقعية المطلقة وهو الباري تعالى وهو الحق ، فعبادة العقل خضوعه وتسليمه للحق !
لذلك مُدِح المخبتون في القرآن الكريم حيث قال تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
« 1 » فالاخبات نوع تسليم وإذعان ، فعبادة العقل أن يسلم ويعرف الحقيقة والواقعية ، وكما أن الإسلام والتسليم يعمُّ شأن البدن وشأن الجوارح والجوانح والقوى وما شابه ذلك ، فكذلك التسليم والإسلام والقبول يعمُّ شأن العقل أيضاً .
فإسلام العقل وتسليمه هو إذعانه للحقائق ! إذن فللعقل عبادة ، وللعقل تسليم ، وللعقل سجود وهو منتهى خضوعه ، وللعقل ركوع وهو انحناؤه أمام الحقائق وعدم تمرده وعدم طيشه عليها ، ومن ذلك يظهر معنى قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 2 » ، أي لتعبد أبدانهم ولتعبد قواهم النفسية ولتعبد أرواحهم ولتعبد عقولهم المعبود الواحد ، لذا فإنّ التمرد على الحقائق وعدم التسليم لنتائج البراهين يعتبر عصياناً من العقل وعدم طاعة لخالقه ، فإنّ الله تعالى اعتبر تسليم العقل لما وصل إليه بالدليل والبرهان هو عبادته وطريق كماله .
هامش
( 1 ) الحج : 34 .
( 2 ) الذاريات : 56 .