والجزء الآخر لهذه النظرية الأساسية : أن المسؤولية تستبطن الحساب والثواب والعقاب . وهما يستبطنان وجود عالم آخر وراء هذا العالم لتحقيق نتائج هذه المراقبة المستورة . وحينئذ لا يكون الإنسان قيد هذا الشوط القصير في الدنيا ، بل يكون رهن خط طويل ، وعلى مستوى أهداف كبيرة لا يستطيع هو أن يستنزفها ؛ إذ تكون أوسع من عمر الإنسان في هذه الدنيا .
وإذا أصبحت البشرية على مستوى الأهداف الكبيرة - لأنها انطلقت في غاياتها وفي ثباتها إلى أكثر من حدود هذه الدنيا الفانية - حينئذ تستطيع أن تقوم بأعباء تلك الأهداف الكبيرة .
والحضارة الإسلامية عبارة عن هذه النظرة الأساسية بكلّ شعبها وفروعها التي ترجع بالنهاية إلى تجسيد كامل للعلاقة مع اللّه سبحانه وتعالى في تفاعل الإنسان في كلّ مجالاته الحيوية والكونية .
والنظرة الثانية : هي أن يرى الإنسان نفسه أصيلا في هذا الكون ، وأن هذا الكون غير خاضع لمليك ومراقبة من وراء الستار . وحينما تتركز في نظره هذه الأصالة وهذا الاستقلال بهذا الكون تنعدم المسؤولية ، وإذا انعدمت المسؤولية بقي عليه هو أن يتحمل المسؤولية بنفسه .
فهو بدلا من أن يشعر بأنه مسؤول ومراقب امام جهة عليا تضعه أمام أهداف كبرى في سبيل الثواب الكبير والعقاب الكبير ، هو يصنع لنفسه المسؤولية . وحينما يحتمّل هو وضع المسؤولية تكون هذه المسؤولية نتاج نفسه فينعكس فيما وضعه تمام ما في نفسه ، أي تمام المحتوى الداخلي والروحي والحسي بكل ما فيه من نقص وانحراف .
وحينما يريد الإنسان أن يحدد لنفسه مسؤولياته ؛ فإنّما يحددّها على ضوء أهدافه التي سوف يحددها على ضوء ما يراه من الطريق الذي يريد سلوكه .
أعلام الهداية — صفحة 90
مساهمون: المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف
ص٩٠