ثمّ ترادّوا في الكلام فقالوا : فإن أبى المهاجرون وقالوا نحن أولياؤه وعشيرته .
وهنا انبرى آخرون فقالوا : نقول : منّا أمير ومنكم أمير ، فعلّق سعد على هذا الاقتراح قائلا : فهذا أوّل الوهن « 1 » .
إنّ الأنصار بموقفهم هذا قد هيّأوا فرصة سياسية ثمينة ما كانت لتفوت الجناح المترقّب للفوز بالسلطة ، وفتحوا باب الصراع على مصراعيه بعيدا عن القيم والأحكام الإسلامية ؛ إذ قدّمت فيه الحسابات القبلية على الحسابات الشرعية ، وتقدّمت فيه مصلحة القبيلة على مصلحة الرّسالة الإسلامية .
وقد اعتذر عمر من مباغتة الأنصار في السقيفة فقال : وإنّا واللّه ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون الفساد . . . « 2 » .
وهكذا أخذ الموقف السياسي يزداد تعقيدا وإعضالا .
نظرة قريش للخلافة :
حين انطلقت الرسالة الإسلامية في مكّة وبين ظهراني قريش ؛ لم تتمكّن قريش من تحمّل ظهور نبيّ في بطن من خيار بطونها ، بل أفضلها وهي بنو هاشم ، فاجتمعت كلمة قريش على محاربة النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) وبني هاشم بكلّ وسائل الحرب ومقاومتهم بشتّى فنون المقاومة وخطّطت للتآمر لا حبّا بالأصنام وما هم عليه من العبادة ولا كراهية للدعوة الجديدة ، فليس في الإسلام ما لا ترتضيه الفطرة السليمة « 3 » ، لكن قريشا لا تريد أن تغيّر صيغتها السياسية القائمة على اقتسام
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 444 ط مؤسسة الأعلمي حوادث سنة 11 ه .
( 2 ) صحيح البخاري : كتاب المحاربين 6 ح 6442 ، وسيرة ابن هشام : 4 / 308 ، وتأريخ الطبري : 2 / 447 ط مؤسسة الأعلمي .
( 3 ) يروى أنّ كثيرا من زعماء قريش كانوا يجاهرون بالعداء للدين ولكنّهم يذهبون خلسة لاستماع القرآن .