وأعجب من ذلك هو تلكّؤ القوم وتملّصهم عن تنفيذ أمر النبيّ ، فكأن هناك أمرا خفيا يريدون إبرامه « 1 » .
ويبدو أنّ الرسول استشفّ من التحركات التي صدرت من الصحابة أنّهم يبغون لأهل بيته الغوائل ويتربّصون بهم الدوائر ، وأنّهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم ، فرأى ( صلّى اللّه عليه وآله ) أن يصون امّته عن الانحراف ويحميها من الفتن ، فأراد أن يحاول معهم محاولة جديدة لتثبيت ولاية عليّ ( عليه السّلام ) وخلافته له ( صلّى اللّه عليه وآله ) فقال :
« إئتوني بالكتف والدواة أكتب إليكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا » .
فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع - فقالوا : ما شأنه ؟ أهجر ؟
استفهموه . فذهبوا يردّدون عليه القول : فقال ( صلّى اللّه عليه وآله ) : دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني اليه ، وأوصاهم بثلاث ، قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة عمدا أو قال : فنسيتها « 2 » .
رأي :
دوّن أكثر المؤرّخين هذا الحديث في كتبهم على هذا النحو ، ولم يذكروا من وصاياه إلّا وصيّتين وسكتوا عن الثالثة أو تناسوها مجاراة للحاكمين الّذين تقمّصوا الخلافة بعد الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، في حين أنّه لم يسبق لأحد من الرواة لأحاديثه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أن نسي شيئا أو فاته دون أن يدوّنه حتى يمكن القول بأنّهم
هامش
( 1 ) وممّا يؤكّد هذا الظنّ أنّ الصحابة الذين أبوا الخروج في جيش اسامة كانوا يخشون تكرار الموقف الذي حصل في غزوة تبوك عندما استخلف النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) عليّا في المدينة ومن ثمّ تصريحه « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » ممّا أثار الريب والحسد في نفوسهم .
بل إنّهم أدركوا أنّ الأمر في هذه المرّة يحمل أبعادا أخرى تتعدّى مسألة الخروج مع جيش اسامة ، خاصة بعد أن رأوا الرسول يصرّ على خروجهم ويستثني عليّا ، وعلامات المرض تشتد عليه ، وفي هذه الفترة كان ( صلّى اللّه عليه وآله ) يكرّر عليهم بأنّي أوشك أن ادعى فأجيب .
( 2 ) الطبقات الكبرى لابن سعد : 4 / 60 ، وتأريخ الطبري : 2 / 436 ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ لابن الأثير : 2 / 320 ، والإرشاد للمفيد : 1 / 184 .