فطيما ، أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر امّه « 1 » ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء « 2 » ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة . ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه وآله فقلت : يا رسول اللّه ! ما هذه الرنّة ؟ وقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلّا أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك لوزير ، وإنّك لعلى خير » .
فلا نقول إنّه أوّل من أسلم بالمعنى الّذي يحاول ابن كثير وقومه ؛ لأنّ البدأة به تستدعي سبقا من الكفر ، ومتى كفر أمير المؤمنين حتّى يسلم ؟ ! ومتى أشرك باللّه حتّى يؤمن ؟ ! وقد انعقدت نطفته على الحنيفيّة البيضاء ، واحتضنه حجر الرسالة ، وغذّته يد النبوّة ، وهذّبه الخلق النبويّ العظيم ؛ فلم يزل مقتصّا أثر الرسول قبل أن يصدع بالدين الحنيف وبعده ؛ فلم يكن له هوى غير هواه ، ولا نزعة غير نزعته ؛ فلقد كان عليه السّلام مؤمنا : جنينا ، ورضيعا ، وفطيما ، ويافعا ، وغلاما ، وكهلا ، وخليفة .
وأمّا الكلام في إسلام أبي بكر : فلا يسعني أن أحوم حول هذا الموضوع ، وبين يديّ صحيحة محمّد بن سعد بن أبي وقّاص الّتي أخرجها الطبري في تاريخه « 3 »
هامش
( 1 ) - [ أي : اتّباع طفل الناقة لامّه ؛ وكانوا إذا أرادوا أن يشبّهوا العلاقة المستمرّة لشخصين يستعملون هذا المثل ] .
( 2 ) - [ « حراء » : جبل في شمال مكّة ، ويبعد عنها بستّة كيلو مترات . يقع على السفح الجنوبي للجبل بارتفاع ( 160 ) مترا ، كهف كان يتعبّد فيه إبراهيم عليه السّلام وغيره من الأنبياء السابقين ، وكان أيضا محلّا يتعبّد فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وقد نزلت فيه أوّل آيات القرآن الكريم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ] .
( 3 ) - تاريخ الأمم والملوك 2 : 215 [ 2 / 316 ] .