أحدها : أنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا صدع بما خوّل اللّه سبحانه وصيّه من المقام الشامخ بالرئاسة العامّة على الامّة جمعاء ، والإمامة المطلقة من بعده ، كان يعلم بطبع الحال أنّ تمام هذا الأمر بتوفّر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده ، كما ورد في الكتاب العزيز « 1 » ، وفيهم من يحقد عليه ، وفي زمر المنافقين من يضمر له العداء لأوتار جاهليّة ، وستكون من بعده هنات تجلبها النهمة والشره من أرباب المطامع لطلب الولايات والتفضيل في العطاء ، ولا يدع الحقّ عليّا عليه السّلام أن يسعفهم بمبتغاهم ؛ لعدم الحنكة والجدارة فيهم فيقلبون عليه ظهر المجنّ « 2 » ، وقد أخبر صلّى اللّه عليه وآله مجمل الحال بقوله : « إن تؤمّروا عليّا - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هاديا مهديّا » « 3 » .
وفي لفظ : « إن تستخلفوا عليّا - وما أراكم فاعلين - تجدوه هاديا مهديّا » « 4 » .
فطفق صلّى اللّه عليه وآله يدعو لمن والاه ونصره ، وعلى من عاداه وخذله ؛ ليتمّ له أمر
هامش
( 1 ) - في قوله تعالى :أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[ النساء : 54 ] . أخرج ابن المغازلي في المناقب [ ص 267 ، ح 314 ] ، وابن أبي الحديد في شرحه 2 : 236 [ 7 / 220 ، خطبة 108 ] ، والحضرمي الشافعي في الرشفة : 27 : أنّها نزلت في عليّ وما خصّ به من العلم .
( 2 ) - [ قوله : « فيقلبون عليه ظهر المجنّ » مثل يضرب في شخص يودّ صاحبه ثمّ ينقلب عليه فيعاديه ، و « المجنّ » : هو الدرع . وتوضيح هذا المثل : أنّ العسكر عندما يواجه جيوش العدوّ يجعل وجه الدرع إلى جهة العدوّ وظهره إلى جهتهم ، فإن غدر أحدهم فالتحق بالعدوّ يكون درعه إلى الجهة المعاكسة ، أي : يكون وجه الدرع إلى جهة العسكر ، وظهر الدرع إلى جهة العدوّ .
وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام يقول فيه لابن عبّاس : « إنّي أشركتك في أمانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي ، فلمّا رأيت الزمان قد كلب ، والعدوّ قد حرب ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ . . . » ؛ انظر النهاية ، ابن الأثير 1 / 308 ؛ مجمع البحرين ، الطريحي 4 / 174 ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 16 / 167 - 169 ] .
( 3 ) - [ مسند أحمد 1 : 109 ] .
( 4 ) - [ كنز العمّال 11 / 630 ، ح 33072 ] .