كلمة النّاشر
في خضم هذا الصّراع السّياسي ، والعقم الفكري الّذي تتخبط فيه البشرية ، وفي وسط هذا الجدب الرّوحي ، والأخلاقي ، والوجداني ، جعل هذا الإنسان الّذي كرّمه اللّه سبحانه وتعالى بقوله الكريم :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
« 1 » كرة تتلاعب فيه أقدام النّهازين ، والمنحرفين على مراتع شهواتهم ، ونزواتهم ، وذئبيتهم ، حتّى تشبثوا بهذه التّعلات كما يتشبث الغريق بأوهام النّجاة ، لأنّهم بغير هذه التّعلات غرقى في شعور ثقيل على جميع النّفوس ، وهو الشّعور بالهوان .
إنّ الطّبيعة النّهازة لا تريد هنا أن تحكم ، وأن تنصف بين خصمين ، أنّها تريد أن تعذر نفسها لتقول إنّ ذلك المثالي ناقص ، وبالتّالي أصبح عمل النّهازين المطبوعين بعد عمل النّهازين المأجورين ترجيح كفّة النّجاح النّفعية على كفّة المثالية العالية .
ولو أننا نأبى أن نضرب الأمثلة بالأسماء لذكرنا من هؤلاء المؤرّخين المعاصرين من يتكلم في هذا التّأريخ كلاما ينضح بالغرض ، ويشف عن المحاباة بغير حجّة ، ولذا يبقى ينازع النّهاز بين طبعه بين الخليقة النّهازية ، وبين آداب الدّين الّذي تربى في أحضانه ، ولكنّه يتضجع الدّنيا ظهرا لبطن ، ومال معها كما مالت له ، فأصبحت هي أمّه ، وهو ابنها .
من حقّ الأمانة على المؤرّخ المنصف أن يراجع بينه ، وبين ضميره طائفة من
هامش
( 1 ) الإسراء : 70 .