المفهوم ، والمفروض أنّ الجهالة في الآية إنّما هي بمعنى : السّفاهة لا الجهل .
كيف ، وأنّها لو كانت بمعنى : الجهل ، لزم تخصيص الحكم بما ثبتت حجّيّته شرعا واعتباره عرفا وعقلاء ولو لم يكن علما ، نظير فتوى الفقيه ورأي الخبير وشهادة البيّنة وظواهر الكتاب والسّنّة وغير ذلك من الأمارات المعتبرة ، واللازم باطل قطعا ؛ والملزوم مثله ، وجه بطلان اللّازم هو أنّ سياق الآية آب عن التّخصيص ؛ وأنّه يلزم تخصيص الأكثر البتّة .
وبالجملة : الجهالة يكون بمعنى : الجهل الّذي يقابل العقل والحكمة ، لا العلم والمعرفة ، وقد يعبّر عنها بالسّفاهة ، وإلى هذا المعنى أشير في الآيات القرآنيّة ، كقوله تعالى :
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
« 1 » وقوله عزّ وجلّ :
إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
« 2 » وقوله جلّ جلاله :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
« 3 » .
هذا ، ولكن قد استشكل « 4 » على كون معنى الجهالة هي السّفاهة ، بأنّه لو كان كذلك لما عمل أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهم عقلاء - بخبر الوليد الفاسق مع أنّهم عملوا به ورتّبوا عليه الأثر ، كما عن الطّبرسي قدّس سرّه حيث قال : « قوله تعالى :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ،
نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في صدقات بني المصطلق ، فخرجوا يتلقّونه فرحا به وكانت بينهم عداوة في الجاهليّة ، فظنّ أنّهم همّوا
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية 138 .
( 2 ) سورة هود ( 11 ) ، الآية 29 .
( 3 ) سورة الفرقان ( 25 ) ، الآية 63 .
( 4 ) فوائد الأصول : ج 3 ، ص 172 .