وما حرم عليهم من خبائث ، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة : كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها ، مما يدل على أن للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين .
والعقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر بالضرورة : كحسن العدل والصدق ، وقبح الظلم والكذب ، ولكن حكم اللّه لا يعرف إلا عن طريق الرسول ، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم اللّه ، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الأسراء : 15 ] فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة ، وحيث لا عذاب فلا تكليف ، وحيث لا تكليف فلا حكم للّه في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما .
وما أحسن كلمة الإمام الشوكاني ، إذ يقول : " وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهته . . ، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقا للثواب ، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم ، وغاية ما تدركه العقول : أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله ، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله ، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب " .
ثمرة الخلاف :
ويترتب على الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح ما يأتي : -
أولا : من لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل على وجه العموم ، فعند المعتزلة :
يؤاخذ بفعله ، ويحاسب على أعماله ، لأن المطلوب منه : فعل ما أدرك العقل حسنه ، وترك ما أدرك العقل قبحه ، وهذا هو حكم اللّه .