تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معتمد الأصول — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
يحكمون باستحقاق عبيدهم للعقوبة بمجرّد ما إذا صدر منه فعل مخالف للمولى اختياراً ، ولا يستندون في ذلك إلّا إلى مجرّد صدوره منه كذلك - أي عن علم وإرادة - ولا يلتفتون إلى كون مبادئ الإرادة هل هي تكون اختيارية أم لا ؟ كيف ولو كان الفعل الاختياري عبارة عمّا يكون مبادئه اختيارية فلا وجه لاختصاص الاختيارية بالإرادة ، بل لا بدّ من القول بلزوم أن يكون جميع ما له دخل في وجود الفعل اختيارياً - كوجود الفاعل وعلمه وشوقه - فيلزم أن لا يتحقّق فعل اختياري ، حتّى من الواجب تعالى ، وهو ضروري البطلان . الثاني : أنّ القرب والبعد بالنسبة إلى اللَّه تعالى قد يكون المراد منه هو كمال الوجود ونقصه ، بمعنى أنّ كلّ ما كان وجوده تامّاً كاملًا يكون قريباً من مبدأ الكمال ، كالعقول المجرّدة ، وكلّ ما كان ناقصاً يكون بعيداً عنه ، كالموجودات المادّية ؛ حيث إنّ كما لها عين النقص وفعليتها عين القوّة ، ومن الواضح أنّ القرب والبعد بهذا المعنى لا يكونان مناط الثواب والعقاب . وقد يكون المراد منهما هما الأمرين اللذين ينتزعان من استكمال العبد بسبب الطاعة وفعل القربات ، وانحطاطه وبعده بسبب العصيان ، فهما وإن كانا مناطين للثواب والعقاب - بمعنى أنّ فعل القربات يوجب استحقاق الجنان ، وارتكاب المبعّدات يوجب استحقاق النيران - إلّا أنّه ليس استحقاق المثوبة والعقوبة من تبعات نفس القرب والبعد ، بل هما ينتزعان من الطاعة والمعصية ، والعقل إنّما يحكم باستحقاق العاصي للعقاب والمطيع للثواب ، من دون توجّه إلى القرب والبعد . وبالجملة : القرب والبعد ، وكذا استحقاق المثوبة والعقوبة كلّها منتزعات من الطاعة والمعصية في رتبة واحدة ، بلا تقدّم لأحدهما على الآخر ، كما لا يخفى .